في ختام حلقة نقاشية لمنتدي الاصلاح التشريعي بالمنظمة المصرية قانون المحاكم الاقتصادية ينتهك ضمانات استقلال القضاء في مصر

17. يونيو 2008 بواسطة المحرر

أكد خبراء الاقتصاد والقانون عدم جدوى القانون رقم 120 لسنة 2008 الخاص بإنشاء المحاكم الاقتصادية لكونه سيثبت فشله عند البدء في تطبيقه أول أكتوبر القادم ، بل وسيربك النظام القضائي، كما يشوبه شبهة عدم الدستورية، فضلاً عن انتهاكه لضمانات القضاء المتمثلة في ثلاث مبادىء أساسية وهي: (استقلالية القضاء ، وحدة القضاء ، المساواة أمام القضاء) ، مضيفين أن الحكومة قامت بسنه دون مناقشته مع أصحاب الخبرة والاختصاص ، ولهذا جاء معبراً عن وجهة نظر أحادية الجانب، مثلما الحال في باقي التشريعات والقوانين ، بل ويخدم مصالح رجال الأعمال بالأساس الذين يشكلون النسبة الأكبر في البرلمان، وعليه طالبوا بإلغائه والاكتفاء بالدوائر المتخصصة ، جاء ذلك في ختام الحلقة النقاشية التي عقدتها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أمس 16/6/2008 تحت عنوان “قانون المحاكم الاقتصادية … ماله وما عليه ” ، وذلك في إطار منتدى الإصلاح التشريعي المصري ، وبدعم من الاتحاد الأوروبي .
واستهل أ. حافظ أبو سعده الأمين العام للمنظمة المصرية حديثه بالقول أن قانون المحاكم الاقتصادية قد أحدث تباين في وجهات النظر بين الخبراء الاقتصاديين ورجال القانون أثناء مناقشاته وبعد إصداره، فالبعض أكد على أهمية تلك المحاكم، لأن إجراءات القضايا الاقتصادية كانت تأخذ الكثير من الوقت عند نظرها في المحاكم المدنية، مما يعود بالضرر على الطرف الواقع عليه الظلم، وأن القانون يشكل إضافة مهمة إلى التشريعات الحاكمة للنشاط الاقتصادي عامة، والنشاط الاستثماري خاصة، وسيسهم في القضاء على ظاهرة بطء التقاضي ، فيما أكد آخرون أن المحاكم الاقتصادية محاكم عادية لا فرق بينها وبين المحاكم المدنية، فالقاضي الذي سيحكم في تلك المحاكم هو نفسه القاضي الذي يقوم حاليا بالنظر في النزاعات الاقتصادية بين المستثمرين، وبهذا لا يكون القانون قد أتى بأي جدي، وأضاف أبو سعده أنه حسماً لهذا الجدل ارتأت المنظمة المصرية عقد هذه الحلقة للاستماع وجهات النظر المختلفة بشأن القانون، ومناقشة بدايات فكرة إنشاء المحاكم الاقتصادية ، ومدى جدواها من عدمه ، وطرح ما يتضمنه قانون المحاكم الاقتصادية من سلبيات وإيجابيات ، ودراسة الآثار الاقتصادية والقانونية المترتبة على إنشاء تلك المحاكم .
وأعطى أ. ممدوح الولي مساعد رئيس تحرير الأهرام للشؤون الاقتصادية خلفية عن المحاكم الاقتصادية ، مشيراً إلى أن قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية رقم 120 لسنة 2008 صدر في 22 مايو 2005 وسيجرى العمل به في 1 أكتوبر 2008 ، و سوف تنشأ هذه المحاكم بدائرة اختصاص كل محكمة استئناف ، و ينتدب لرئاسة المحكمة الاقتصادية رئيس بمحاكم الاستئناف لمدة سنة قابلة للتجديد ، على أن يعين في بداية كل عام قضائي قاضي أو أكثر للحكم بصفة مؤقتة في المسائل المستعجلة ، وسوف تشكل المحاكم الاقتصادية من دوائر ابتدائية ودوائر استئنافية ، على أن تتشكل الدوائر الابتدائية من 3 من الرؤساء بالمحاكم الابتدائية وستختص بالنظر في قضايا الجنح في السابعة عشر قانون اقتصادي وستنظر المنازعات لأقل من 5 مليون جنيه. أما الدوائر الإستئنافية فستشكل من 3 من قضاة محاكم الاستئناف، وستختص بالنظر في قضايا الجنايات في السابعة عشر قانون اقتصادي و تختص بالمنازعات لأكثر من 5 مليون جنيه أو غير مقدرة القيمة.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن المحاكم الاقتصادية ستختص بجملة من القضايا هي الدعاوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المنصوص عليها في السابعة عشر قانون اقتصادي هي : قانون العقوبات في شأن جرائم التفاليس و قانون التجارة في شأن جرائم الصلح الواقي من الإفلاس . و التوقيع الالكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات . و الرقابة على التأمين – الشركات المساهمة – سوق رأس المال – الاستثمار – التأجير التمويلي – الإيداع المركزي – التمويل العقاري . و حماية الملكية الفكرية – البنك المركزي – شركات تلقى الأموال -الإغراق – حماية المنافسة – حماية المستهلك – تنظيم الاتصالات .
و انتقد الولي القانون رقم 120 لسنة 2008 في ضوء الصلاحيات العديدة التي يتمتع بها وزير العدل فهو ينتدب رئيس المحكمة الاقتصادية،ويحدد مقار الدوائر الابتدائية و الاستئنافية للمحكمة الاقتصادية ، ويقرر انعقاد الدوائر الابتدائية والاستئنافية في غير مقار المحاكم الاقتصادية ،ويحدد نظام العمل بهيئة التحضير للدعاوى ، ويحدد شروط وإجراءات قيد الخبراء المتخصصين في جدول بالوزارة وأتعابهم ، ويختار الخبراء من بين طلبات راغبي القيد أو ممن ترشحهم الغرف والاتحادات والجمعيات .
ومن بين المثالب الأخرى التي تعتري القانون، أكد الولي أن قانون المحاكم الاقتصادية سينشأ قضاءاً استثنائياً يميز فئة معينة من السكان رغم أن قواعد القانون العام تقتضى خضوع كل السكان لجهة قضائية واحدة بغض النظر عن نوعية القضايا والمنازعات التي تتناولها خصوماتهم أو القوانين التي تطبق عليهم، كما سلب القانون اختصاص مجلس الدولة من خلال تحديد اختصاص المحاكم الاقتصادية بنظر ما ينشأ من منازعات تنضوي تحت السابعة عشر قانون اقتصادي ، فضلا عن عدم عرض القانون على إدارة الفتوى والتشريع بمجلس الدولة و هو الأمر الذي يتعارض مع قانون مجلس الدولة رقم 72 لسنة 1972 الذي يقضي بعرض كل مشروعات القوانين على إدارة الفتوى والتشريع بمجلس الدولة قبل عرضها على البرلمان ، كما لم يتم عرضه على الغرف التجارية أو اتحاد الصناعات أو جمعيات رجال الأعمال ،أو على خبراء القانون التجاري والمتخصصين ، يضاف إلى ذلك عدم استجابة البرلمان لملاحظات نادى القضاة ونادى مجلس الدولة على مشروع القانون .
وطالب الولي بإنشاء دوائر متخصصة بالمحاكم الابتدائية والاستئنافية مثلما الحال في دوائر الضرائب وللعمال و للإيجارات وأخرى للمدني والتجاري، إلى جانب الأحوال الشخصية والأسرة، على أن يتم اختيار القضاة ممن حصلوا على دورات تدريب في القضايا والقوانين الاقتصادية ، وأن يتمتعوا باستمرارية في عملهم لفترات طويلة تعميقا للتخصص وتحقيقا لسرعة الفصل .
واتفق معه في الرأي د.سمير الشرقاوي أستاذ القانون التجاري بجامعة القاهرة ونائب رئيس جمعية الاقتصاد والتشريع، إذ أعرب عن رفضه للقانون فهو سيثبت فشله عند تطبيقه في أكتوبر المقبل مثلما حدث في سوريا ، فهو يحتوي على العديد من نقاط العوار القانوني والدستوري، يأتي على رأسها نصه على عدم أحقية الشاكي في اللجوء لسلاح النقض في الأحكام الصادرة من الدوائر الابتدائية في المحكمة الاقتصادية، وهذا يعد إهدارا لحقوق المواطنين والمتقاضين في اللجوء لدرجات أعلى من المحاكم، بما يضمن صحة الأحكام وهو عرف معمول به في كافة أنواع التقاضي فالتعجيل بإصدار الأحكام في القضايا الاقتصادية لا يكون على حساب إجراءات التقاضي ودرجاته، وأن ضمانات صحة الأحكام تشكل ضماناً للحفاظ على حقوق المتقاضين هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية سيؤدي إلى إرباك النظام القضائي في مصر ، مضيفاً أنه لم يكن هناك داعي لسن هذا القانون الذي علل البعض صدوره بالرغبة في التخصص، ورد الشرقاوي على ذلك بقوله أن هناك دوائر تمارس التخصص مثل الضرائب والتجارة ودوائر الأسرة، لذا كان من الأفضل إنشاء دوائر بدلاً من محاكم اقتصادية. وتوجد لدينا دوائر اقتصادية متخصصة، كما يوجد نظام للتحكيم الدولي من خلال مركز القاهرة للتحكيم والذي أصدر قانونه عام 1994 ويشهد له المستثمرون بالحيدة والنزاهة .
وأوضح أستاذ القانون التجاري أن الحكومة أعدت القانون دون عرضه على فقهاء التشريع وأساتذة القانون التجاري والمرافعات، أو مناقشته من جانب الجهات المختصة والغرف التجارية، ولم يؤخذ رأي المستشارين في الدوائر التجارية ، إذ تم إعداده من جانب وزارة العدل ، ووافق عليه مجلس القضاء الأعلى ثم أحاله وزير العدل مباشرة إلى مجلس الوزراء ثم مجلس الشورى، ثم مجلس الشعب.
و اتفق أ.عصام الإسلامبولي المحامي بالنقض معهم في الرأي مطالبًا بضرورة إلغاء القانون رقم 120 لسنة 2008 وإنشاء دوائر متخصصة ، إذ ليس هناك حاجة ملحة لهذا القانون ، فهو قد صيغ بالأساس لخدمة رجال الأعمال ، موضحاً أن قانون المحاكم الاقتصادية هو نتاج البيئة السياسية الموجودة في مصر ، و ما ارتبط عنها من ارتباط وثيق بين السلطة و رأس المال ، وقد انعكست هذه البيئة على القوانين المطروحة، و هو ما يجعلنا نطلق على هذه المرحلة بـ”العبث التشريعي” الخطير.
وأكد الإسلامبولي أن القانون يضرب وحدة القضاء و استقلاليته و المساواة أمامه ، فلوزير العدل اليد الطولى في إنشاء المحاكم و اختيار المباني ، ويعطي ميزة خاصة لكبار المستثمرين وبهذا يضرب مبدأ المساواة أمام القضاء ، بل وينتهك القانون العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية في المادة 14 منه والتي تؤكد على أن إنشاء محاكم استثنائية باختصاصات موازية للقضاء الطبيعي أمر صارخ يهدد استقلال القضاء وغير مقبول ، بل ويهدر وحدة القانون، فنحن لدينا خمس أنواع من المحاكم هي القضاء العادي، والدستوري، و الإداري، والأسري والعسكري، ثم أضيف القضاء الاقتصادي .
وأكد أ. أحمد عبد الحفيظ المحامي بالنقض أن ما يحدث الآن فراغ تشريعي الغرض منه ضرب استقلال القضاء و سلطته على المواطنين كافة دونما تمييز، و بالتالي ليس هناك حل للتذرع بمثل هذه القوانين من أجل تشجيع الاستثمار ، داعياً إلى ضرورة إنشاء معهد لتدريب للقضاة ، و ليس سن قوانين جديدة لمحاكم جديدة .
واختلف مع الآراء السابقة ، المستشار محمد عبد المولى رئيس محكمة استئناف بني سويف بقوله أنه لا يمكن الحكم على فشل قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية الآن ، ولكن ينبغي الانتظار عند تطبيقه واختباره في تحقيق الهدف المرجو منه آلا وهو تسهيل إجراءات التقاضي في النزاعات ذات الطابع الاقتصادي ، بل وسيكون هناك قضاة متخصصون بالنظر في مثل هذه النزاعات ، مطالباً بضرورة الإعداد الجيد لقضاة هذه المحاكم والاستفادة من التشريعات المقارنة في هذا الأمر .
وأعرب عبد المولى عن أمله في أن ينجح القانون في تحقيق أهدافه بفضل قضاة مصر ، مضيفاً أن صمام أمن البلد يكمن في قضائها العادل المنجز السريع ، وإن إصلاح أي منظومة تشريعية في إيجاد قوانين جديدة خاصة بنظم وإجراءات التقاضي لا يمكن أن ينفصل أبداً عن الاهتمام بالقضاة أنفسهم ، لذا ينبغي أن نوفر لهم الأمان والاستقرار والتدريب والمساواة، الأمر الذي سيصب لصالح القانون في نهاية الأمر.
والجدير بالذكر أن الحلقة النقاشية تأتي في إطار نشاط وحدة دعم استقلال القضاء وتسهيل إجراءات التقاضي والتي تتبع منتدى الإصلاح التشريعي(مبادرة المنظمة المصرية لإصلاح وتحديث المنظومة التشريعية لتتوافق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان)، والذي تأسس في يناير 2007 ، ويشمل نشاطه 7 محافظات هي: (القاهرة، الإسكندرية، الغربية، دمياط، بورسعيد، أسيوط، قنا)، وبدعم من الاتحاد الأوروبي، ويضم عدد من أساتذة القانون الدستوري وبعض القيادات الحزبية وعدد من أعضاء مجلس الشعب ونشطاء حقوق الإنسان.
ويهدف منتدى الإصلاح التشريعي إلى تعديل التشريعات الوطنية بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان المنصوص عليها في كافة المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان و الموقعة و المصدق عليها من قبل الحكومة المصرية، وذلك باقتراح مشروعات قوانين جديدة تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة و تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان أو مشروعات قوانين بديلة للقوانين القائمة المخالفة لتلك الحقوق وللحريات العامة، وكذلك الضغط في اتجاه إلغاء العمل بتلك القوانين المخالفة، وأخيراً مناقشة مشروعات القوانين المقدمة إلى مجلسي الشعب والشورى ودعوة أصحاب الاختصاص للتعليق عليها، لترفع في النهاية إلى رئيس الجمهورية و رئيسي مجلسي الشعب والشورى.

تم نشر هذا الموضوع 17. يونيو 2008 في 11:55 ص وهذا الحقل تحت منتدى الاصلاح التشريعي. يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال RSS 2.0 تغذية. يمكنك اترك رد, أو متابعة من موقعك.

اترك رد

يجب ان تكون مشترك للتعليق