مطالب حزبية وحقوقية بحوار مجتمعي حول قانون الإرهاب الجديد

30. يونيو 2008 بواسطة المحرر

حذر المشاركون في الحلقة النقاشية التي عقدتها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان بدعم من الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين الموافق 30/6/2008 تحت عنوان ” مصر تحت حكم الطوارئ.. إلى أين” من مغبة سن قانون جديد للإرهاب يعمد إلى العصف بالحقوق و الحريات الأساسية للمواطنين و المكفولة لهم بموجب نصوص الدستور والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان والتي صادقت عليها الحكومة، مؤكدين ضرورة الحور المجتمعي بشأن هذا القانون ، وعدم قصر صيغته على حزب معين أو جهة معينة، وضرورة إعلان ملامحه للرأي العام .
كما أكد المشاركون من أساتذة القانون وأعضاء مجلس الشعب وممثلي الأحزاب السياسية ونشطاء حقوق الإنسان أن مصر قد تجاوزت مرحلة الطوارئ و لم تعد بحاجة إليها، كما أثرت بشكل سلبي على سجل مصر الدولي لحقوق الإنسان .
و من جانبه، أوضح أ.حافظ أبو سعده الأمين العام للمنظمة المصرية أن حالة الطوارئ المفروضة على مصر منذ عام 1981 وحتى الآن قد أثرت على حالة الحقوق والحريات العامة في مصر، مشيراً إلى أن المنظمة من خلال رصدها للأحكام القضائية وبعض حالات التعذيب والوفاة قد لاحظت وجود علاقة وثيقة بين إعلان حالة الطوارىء وبين ظهور نمط روتيني ثابت من التعذيب، لافتاً إلى أن الحكومة استغلت وجود أعمال إرهابية وانتشار العنف المسلح من الجماعات الإسلامية كذريعة ومبرر لإطلاق يد رجال السلطة وإعطائهم صلاحيات واسعة في استعمال العنف في مواجهة هذه الظاهرة تحت شعار حماية الأمن والنظام، الأمر الذي أدى إلى انتشار التعذيب كمنهج لرجال الشرطة في التعامل مع المواطنين.
وأضاف أبو سعده أن من الإجراءات الخطيرة التي انطوت عليها سلطات الطوارىء هو أمر رئيس الجمهورية رقم 4 لسنة 1982 والذي فوض فيه وزير الداخلية سلطة اتخاذ التدابير المنصوص عليها في المادة 3 من القانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارىء وهي التدابير الخاصة بفرض قيود على حق الأشخاص في الأمن الشخصي وحرمة الحياة الخاصة فأصبح من حق وزير الداخلية القبض على الأشخاص وتفتشيهم وتفتيش مساكنهم واعتقالهم دون التقييد بالضمانات الواردة في قانون الإجراءات الجنائية وذلك لمجرد الاشتباه، أي دون توافر أي دلائل على ارتكابهم اى جريمة.
وحذر أبو سعده من أن يصبح قانون مكافحة الإرهاب نسخة مطابقة من قانون الطوارىء بحيث تصبح حالة الطوارىء الاستثنائية حالة أبدية، وأن يؤدى هذا القانون إلى فرض مزيد من القيود على حريات الرأي و التعبير خاصة والحقوق والحريات العامة في مصر عامة، مطالباً بضرورة تعديل المادة 179 من الدستور لأنها تتناقض مع مواد دستورية أخرى بل وتعطلها وهي المواد 41 و42 و43 من الدستور والتي تضمن حقوق وحريات المواطن وتعتبر مواد فوق الدستور، مؤكدا أن مصر تحتاج إلى آلية حقيقة تضمن القبض على أي إرهابي حقيقي وليس مواد قانون تساعد على ” تلبيس “التهمة لمواطن.
واتفق معه في الرأي أ. أحمد سيف الإسلام مدير مركز هشام مبارك للقانون بقوله أن المادة 179 من الدستور والتي تتحدث عن مكافحة الإرهاب تشوبها عدم الدستورية لأنها تؤدى بشكل صريح إلى تعطيل العمل بمواد دستورية أخرى وهى المواد من 41 إلى 44 والتي تضمن حقوق وحريات المواطن.
وأضاف سيف الإسلام أن انتشار التعذيب كان أهم محصلات قانون الطوارىء فأي طبيب شرعي يتعذر عليه الحكم بأن هناك تعذيب تعرض له المواطن إذا مر علية 15 يوم، وبالتالي يجب أن يكون هناك قانون يضمن عدم احتجاز المتهم لمدة تفوق الخمسة عشر يوماً حتى لا يتم طمس معالم التعذيب و إخفاء آثارها، مضيفاً أن قانون الطوارىء يمنح حماية قانونية للمعذب حيث يبدأ عرض المتهم على النيابة بعد مرور الفترة المطلوبة لإثبات جريمة التعذيب.
وأوضح سيف الإسلام أن استمرار وجود الطوارىء يقيد وجود المحاكمة العادلة ، فالنيابة العامة تلعب في ظل الطوارىء ثلاث أدوار متناقضة، فهي من جهة تعمل “محامي للبوليس ” فهي تدافع عن مزاعم البوليس، في الوقت الذي تحقق فيه في الاتهامات الموجهة لهذا الشخص، ثم تقرر إحالة الدعوى إلى المحاكمة ، وهي بذلك تملك ثلاث أدوار متناقضة كما أن في يدها سلطة الحبس الاحتياطي.
وطالب مدير مركز هشام مبارك أجهزة الأمن بالبحث عن الخطر الحقيقي والقبض على متهمين حقيقيين بدلا من اعتقال المواطنين بلا ذنب، مشيرا إلى أن كل اعتقالات طابا لم تمنع امتداد التفجيرات إلى نويبع ودهب بعد ذلك، لافتا إلى أن أحد معتقلي سيناء لم يتعدى عمرة عشرين عاما اعترف خلال التحقيقات أنه شارك في اغتيال الرئيس السادات وطالب المحققين بالتحقيق في هذا الاعتراف دون الالتفات إلى صغر سنه.
وأكد أ.حسين عبد الرازق الأمين العام السابق لحزب التجمع أن مصر تعيش حالة طوارىء دائمة منذ ثورة 52 ، الأمر الذي جعل من حالة الطوارئ الأصل و إلغائها هو الاستثناء، مشيراً إلى أن هذا القانون هو الذي سمح بتحويل المدنيين للمحاكمة أمام المحاكم العسكرية.
و رفض عبد الرازق تماما أقاويل الحكومة المتناثرة اليوم تلو الأخر بكون تمديد حالة الطوارئ لحماية مصر من براثن الإرهاب، مشيراً إلى أن الحكومة غير صادقة على الإطلاق فيما تقوله، فقد شهدت الفترة من عام 1992 إلى 2002 حوالي 36 قضية نظرها القضاء العسكري لمدنيين كان فيها 1117 متهم حكم على 85 منهم بالإعدام أمام المحاكم العسكرية، كما استخدم قانون الطوارىء ضد الأحزاب ومرشحي المعارضة في الانتخابات وفى نوفمبر 95 تم اعتقال 1000 مواطن في انتخابات مجلس الشعب، الأمر الذي يدحض مزاعم الحكومة باستمرار فرض القانون لمكافحة الإرهاب فقط، حيث استخدمت الطوارئ في كل شئ لمنع عقد المؤتمرات خارج مقار الأحزاب وداخلها والمظاهرات في بعض المصانع ، كما وقعت في ظله استخدام أسلوب العقاب الجماعي وفرض حظر التجول ، مؤكدا أن جميع هذه الإجراءات التي وقعت لم يكن لها علاقة بمكافحة الإرهاب أو الحفاظ على الأمن أو الاستقرار ، و لكنها استهدفت الأحزاب والقوى السياسية والحريات العامة ،لافتا إلى أن كل الحوادث الإرهابية التي شهدتها مصر قد وقعت في ظل حالة الطوارىء.
وانتقد عبد الرازق القانون رقم 97 لسنة 92 والذي عدل قانون العقوبات لمكافحة الإرهاب حيث عرف الإرهاب تعريف بالغ الاتساع ، تستطيع المحكمة أن تستغله في تبرير أي نشاط سياسي على أنه إرهابي، مؤكدا أن استمرار حالة الطوارىء يمثل قيد بالغ القسوة على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر، مشدداً على أن المد الأخير لحالة الطوارئ لا ينهى المعركة من أجل إلغاء الحالة ، ومنع إصدار قانون جديد للإرهاب، وتعديل المادة 179 من الدستور، وتنقية القوانين من المواد التي تقيد الحقوق والحريات.
وأوصى المشاركون في نهاية الحلقة بجملة من التوصيات أهمها :
1- رفع حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1981م بموجب قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958م نظراً لأثارها الضارة و الخطيرة على منظومة حقوق الإنسان في مصر وعرقلة سبل التطور الديمقراطي السلمي في المجتمع. فإذا كانت الحكومة صادقة في عزمها على قيام بالإصلاح السياسي والدستوري، ينبغي أن يقتصر جواز إعلان حالة الطوارئ في حالة الحرب الفعلية والكوارث العامة فقط، ولفترة محدودة لا يتم تجديدها إلا بشروط دقيقة وتحت رقابة حقيقية وفعلية للسلطة التشريعية، والعودة إلى الشرعية الدستورية والقانون الطبيعي.
2- إجراء تعديلات في الدستور المصري والقوانين المكملة له فيما يتعلق بإعلان حالة الطوارئ بحيث يربط بوضوح بين إعلان حالة “الطوارئ” ووجود “خطر استثنائي”.ويمكن لقانون الطوارىء أن يحدد درجات للطوارئ، إذ يمكن إعلانها جزئيًا إذا كان الخطر جزئي، ويمكن إعلانها في نطاق جغرافي محدود يتناسب مع وجود الخطر.
3- إلغاء القوانين المقيدة للحريات، ومن أمثلتها قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977، وقانون الجمعيات رقم 84 لسنة 2002 وقانون النقابات المهنية رقم 100 لسنة 1993 وتعديلاته بالقانون 5 لسنة 1995، وقانون التجمهر رقم 10 لسنة 1914….إلخ . بمعنى آخر ضمان الحق في التنظيم، من خلال رفع القيود التشريعية والإدارية والأمنية على حرية التجمع السلمي والحق في تكوين الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية والنقابات المهنية والعمالية و الاتحادات الطلابية، وضمان استقلال الجامعات والحريات الأكاديمية.
4- إلغاء كافة القوانين والمحاكم الاستثنائية مع توفير ضمانات استقلال السلطة القضائية، والحق في المحاكمة العادلة والمنصفة بما يشمل ذلك من إلغاء كافة المحاكم الاستثنائية ووقف إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية وهو ما يعني تعديل نص المادة السادسة من قانون الأحكام العسكرية والالتزام بإحالة كل من يوجه له اتهام في أية قضية إلى قاضيه الطبيعي .
5- العمل على ألا يصبح قانون مكافحة الإرهاب نسخة مطابقة من قانون الطوارئ، بحيث تصبح حالة الطوارئ الاستثنائية حالة أبدية ، ولا يؤدي قانون الإرهاب الجديد إلى فرض مزيد من القيود على حريات الرأي والتعبير، بل ويوفر ضمانات كافية لمنع الاعتقالات العشوائية ، ويكفل عدم المساس بالحقوق والحريات العامة في مصر.
6- الإفراج فوراً عن جميع المعتقلين حالياً بموجب قانون الطوارئ ممن صدرت أوامر بإطلاق سراحهم، ووضع حدٍ لأسلوب الاعتقال الإداري الذي يُفضي إلى الاعتقال التعسفي، وهو ما يتناقض مع التزامات مصر الدولية.
7- إعادة النظر في مواد قانون الطوارئ المتعلقة باختصاص المحاكم بالنظر في قانونية الاعتقال، وذلك لضمان حق أي فرد يُعتقل بأمر من وزير الداخلية في المثول أمام المحكمة فور اعتقاله أو خلال الساعات أو الأيام الأولى للاعتقال. ويجب ألا تتعرض سلطة هذه المحكمة، في إطلاق سراح مَنْ يُعتقلون دون سندٍ قانوني، لأي تدخل من أي مسئول في السلطة التنفيذية.
يذكر أن الحلقة النقاشية تأتي في إطار “مرصد مكافحة الإرهاب عبر تعزيز الديمقراطية”والذي بدأت المنظمة المصرية نشاطه في شهر فبراير 2008 وسيستمر حتى مايو 2009 ، وبدعم من الاتحاد الأوروبي. ويتمثل الهدف الأساسي للمرصد في دعم التطور الديمقراطي في مصر، من خلال رصد ومراقبة تأثير تضمين مواد مكافحة الإرهاب في التعديلات الدستورية على هذا التطور من ناحية ، وتأثير قانون الإرهاب الجديد على هذا التطور أيضاً .
ومن بين الأهداف الأخرى للمرصد نشر الوعي بين صفوف الشعب بمختلف فئاته حول ماهية مفهوم الإرهاب والتجاوز في استخدام السلطة له، ودعم مؤسسات المجتمع المدني “الأحزاب, النقابات, الجمعيات الأهلية ” لمواجهة القيود المفروضة عليها بادعاء مواجهة الإرهاب، ومنع تأثير واستخدام قانون الإرهاب في إعاقة المشاركة السياسية والحياة الديمقراطية، وتذليل المعوقات التي تجابه الحياة السياسية والحزبية في مصر من أجل كفالة التطبيق الحر والسليم للديمقراطية ، والتأكد من تطبيق المواد الاستثنائية الواردة في الدستور ومشروع قانون الإرهاب على الحالات الاستثنائية فحسب، وليس لاستخدامها لإعاقة التطور الديمقراطي وحرية التعبير والتنظيم في مصر، وتعزيز آليات الحوار مع الجهات الحكومية وغير الحكومية لتفعيل عملية التحول الديمقراطي ومكافحة الإرهاب ، وإرساء وتدعيم قيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان في المجتمع المصري، وإطلاق الحريات العامة ورفع القيود عن العمل السياسي والحزبي من أجل تعميق الممارسة الديمقراطية، وكذلك إطلاق عمل منظمات المجتمع المدني وتحريره من القيود التي تكبله بما يسمح بتعزيز قيم المشاركة السياسية والحريات العامة؛ فالردع الواجب لمرتكبي الأعمال الإرهابية ينبغي أن يتم في إطار من احترام الدستور وسيادة حكم القانون ومبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية.

 

 

عدد مرات قراءة الموضوع

تم نشر هذا الموضوع 30. يونيو 2008 في 9:12 ص وهذا الحقل تحت بيانات صحفية. يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال RSS 2.0 تغذية. يمكنك اترك رد, أو متابعة من موقعك.

اترك رد

يجب ان تكون مشترك للتعليق