برلمانيون وحقوقيون يطالبون بتشكيل لجنة وطنية لمكافحة الفساد ” لا للفساد…. نعم للشفافية :من اجل مصر “

28. أغسطس 2008 بواسطة المحرر

أعلن عدد من أعضاء مجلسي الشعب و الشورى و نشطاء المجتمع المدني و أساتذة الجامعات عن الدعوة لتشكيل لجنة وطنية لمكافحة الفساد طبقا لاتفاقية الأمم المتحدة ، على أن تضم نشطاء و حقوقيون و كافة المعنيين بمكافحة الفساد ، و تعمد هذه اللجنة إلى وضع استراتيجية عامة لمكافحة الفساد ، و نشر الوعي بين المواطنين بمدي خطورتها ، و إعداد تقرير شامل يضم كافة الممارسات التي تشوبها الفساد في ملف وثائقي و إعلانه على الرأي العام ، و الضغط على الحكومة المصرية لتعديل التشريعات الوطنية لمكافحة الفساد ، و العمل على إزالة الأسباب المؤدية لانتشار الفساد من خلال رفع مرتبات الموظفين ، و وضع إجراءات مناسبة لاختيار وتدريب الأفراد المرشحة للمناصب العمومية التي تعتبر عرضة للفساد ،و تدعيم نظم تعزيز الشفافية و منع تضارب المصالح ، و زيادة المعارف المتعلقة بمنع الفساد وتعميمها ،و تنفيذ السياسات الوقائية لمكافحة الفساد والأشراف على تنفيذ تلك السياسات وتنسيقه عند الاقتضاء . جاء ذلك في ختام الحلقة النقاشية التي عقدتها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أمس الثلاثاء الموافق 26/8/2008بمقر المنظمة.
وأوضح أ.حافظ أبو سعده الأمين العام للمنظمة أن الفساد بات من أكثر الجرائم انتشاراً على الساحة السياسية المصرية ، بل و تغلغل في الجسد المصري و استشري على نطاق واسع و في كافة المجالات ، و على كافة الأصعدة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ، و هو ما كان له نتائج جسيمة على المجتمع المصري من بطالة و فقر و ارتفاع نسبة المهمشين في الحياة السياسية و ما إلى ذلك. و يتضح ذلك من تقارير المنظمات الدولية عن معدل الفساد ، فقد جاءت مصر في المرتبة 105 وفقا “لمؤشر مدركات الفساد 2007” الذي أصدرته منظمة “الشفافية الدولية”.
وأكد أبو سعده أن انتشار الفساد على الساحة المصرية قد ارتبط بجملة من العوامل وهي غياب الديمقراطية بمعناها الحقيقي المتضمن مبادئ المحاسبة و الشفافية و قيم الفصل بين السلطات و معايير تداول السلطة. و تدني مرتبات الوظفية العامة في مصر،و التي لا تضاهي بأي حال من الأحوال الارتفاع الكبير في الأسعار ، و زيادة مستوي الرفاهية و السلع الاستهلاكية ذات التكاليف الباهظة ، فضلا عن عدم تماثل المرتبات بين كافة العاملين في الدولة ، ففي حين تحظي قطاعات بمرتبات مرتفعة جداً ، نجد قطاعات أخري على ذات السلم الوظيفي لا تحظي سوي بالقليل من الأجور. و عدم وجود آليات واضحة لمنع تضارب المصالح ، بما أدي إلى سيطرة قلة من رجال الأعمال على الاقتصاد المصري و على مجريات العملية السياسية. و التوسع في الحصول على القروض والمعونات الأجنبية وما سببته من إفساد لموظفي الدولة على جميع المستويات واعتبار أداء الموظف العام لعمله شئ يستحق عليه المكافأة مهما كان مصدرها. و سياسة الخصخصة وتحويل شركات القطاع العام إلى القطاع الخاص وما يشوب هذه السياسة من فساد في تقييم الشركات بشكل فاضح لصالح بعض المستثمرين سواء من الداخل أو الخارج.و استمرار عجز الميزان التجاري والتوسع في الاستيراد بلا ضوابط .و التوسع في الإقراض المصرفي بلا ضوابط حتى تضخمت مديونيات القطاع الخاص ،وهرب كثير من رجال الأعمال للخارج ، وعجز آخرين عن سداد ديونهم . و تخلى الدولة عن تقديم العديد من الخدمات العامة خاصة في مجالي التعليم والصحة ، و غياب رقابتها الفعالة على الخدمات المقدمة من القطاع الخاص ، الأمر الذي أدي إلى خدمات رديئة و ذات تكاليف باهظة. و انتشار الواسطة والمحسوبية وسيادة الشعور بأن القانون لا يطبق الإ على الفقراء.
وفي نهاية حديثه حذر أبو سعده من مغبة تأثير الفساد على الاقتصاد المصري و الذي يؤدي إلى تقويض التنمية الاقتصادية لتسببه في حدوث تشوهات و حالات عجز ضخمة. فضلا عن حدوث تشوهات اقتصادية في القطاع العام عن طريق تحويل استثمار المال العام إلى مشروعات رأسمالية تكثر فيها الرشى ، و كذلك تقويض الديمقراطية و إضعاف القدرة المؤسساتية للحكومة ،و زيادة الشعور باللامبالاة و السلبية لدي أفراد المجتمع ،و تقليل الدافع و الرغبة في إنجاز و أداء الواجب و زيادة الأنانية لدي الأفراد و انتشار الجريمة كرد فعل لانهيار منظومة القيم الأخلاقية .
واتفق معه في الرأي أ. فاروق العشري عضو لجنة الدفاع عن الديمقراطية ، مشيراً إلى أنه حيثما ينتشر الفساد يغيب العدل، وتزداد حدة الصراع الاجتماعي الداخلي ، ويسود الإحباط ، وينمو العنف ، وتسقط القيم الاجتماعية ، مما يؤدي إلى ضعف الانتماء الوطني ، ويهدد السلام الاجتماعي .
و أكد العشري أن أحد الدراسات الاقتصادية كشفت أن تكلفة الفساد في مصر قد بلغت في المتوسط 50 مليار جنيه سنوياً منها أكثر من 15 مليار في الدروس الخصوصية و10 مليارات في التهرب الضريبي ونحو 6 مليار في خسائر مقاولات البناء والإسكان نتيجة الاحتكار وارتفاع أسعار الحديد والاسمنت ، والأموال المهربة بحوالي 6 مليار جنيه ، وتدمير الأراضي الزراعية (حوالي 160 ألف فدان سنوياً ) 4 مليار جنيه ، والمخدرات وغسيل الأموال بما يجاوز 6 مليار جنيه ، وفساد المحليات 2مليار جنيه . وخسائر إنشاء مشروعات دون وجود دراسات جدوى حوالي 2 مليار جنيه .
و أشار العشري أن مرحلة الانفتاح الاقتصادي أدت إلى تحول الفساد من الرشوة والعمولات واستغلال الوظيفة في الإثراء غير المشروع ، إلى استغلال النفوذ والمحسوبية وانتشار الوساطة في كافة المجالات ، وبعد أن كانت قضايا الرشوة واستغلال النفوذ تتمثل في صغار موظفي الدولة ، صار المتهمون وزراء ومسئولين كبار ، وتضخم حجم الفساد الذي استشرى في المجتمع حتى وصل إلى درجة كبيرة من الخطورة ، حتى أن قضية واحدة بلغ حجم الفساد فيها 4.1 مليار جنيه (التي عرفت بقضية الفساد الكبرى – النصر للمسبوكات ) .
وطالب العشري وجوب انتهاج سياسة حاسمة وبرنامج متكامل لمكافحة الفساد ، يبدأ مع النشء الجديد لإعادة تثقيفه بمجموعه من الحقوق والقيم الإنسانية والدينية التي تحض على الأمانة، مع تطبيق معايير الشفافية ، وأن تضرب أجهزة الدولة المثل والقدوة في هذا السبيل ، مع وجوب اقتلاع الداء من جذوره، بما يتطلبه من إصلاح البنية السياسية للدولة ، ووجود حكومة منتخبة تعبر عن إرادة الشعب ، وعدم التلاعب في تزييف إرادة الجماهير ، وقيام دولة قانونية بالكامل ، ونظم للحساب والمساءلة لا تعفي أحدا ، وسلطة قضائية مستقلة ، وقوانين محكمة لا تفتح بابا للثغرات ، وقبل ذلك كله حق اختيار القيادات في إطار معايير تضع في حسابها الوحيد ” معيار الكفاءة “، دون سواه، مع تفعيل مؤسسات العمل المدني والاجتماعي والأحزاب السياسية في البلاد.
و اتفق معهم د. عبد الخالق فاروق الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية و الاستراتيجية ، مشيراً إلى أن ظاهرة الفساد قد استشرت بصورة لم يسبق لها مثيل ، فضلا عن قصور التشريع المصري في التعامل مع هذه القضية ، و عدم وجود تعريف واضح محدد للفساد في التشريع المصري ، و إنما نصت قانون العقوبات في مادته 103 على تعريف الرشوة فقط متجاهلاً بذلك كافة صور الفساد الأخرى ، وهو ما أدي بدورها إلى انتشار الفساد على كافة المستويات من خلال فساد المسئولين الذين يسعون إلى تعيين أقرباهم بصورة غير قانونية ، و تحقيق مصالح خاصة بهم بعيداً عن المصلحة العامة ، و الفساد في البنوك و القروض بدون ضمانات و شركات توظيف الأموال و الرشوة ، و الفساد الذي شاب قطاع الصحة ، و ما إلى ذلك في كافة المجالات ، الأمر الذي إلى أدي إلى تحول هذه الظاهرة من مجرد انحرافات فردية لقلة إلى بنية مؤسسية كاملة و ظاهرة عامة تتغلغل في الجسد و الكيان برمته .
و انتقد فاروق تقرير وزارة التنمية المحلية عن الفساد مشيراً إلى أن هذا التقرير ركز في شقه الأكبر على فساد الصغار و فساد الموظفين ، دون الاقتراب من فساد الكبار أو فساد رجال الأعمال ، مؤكداً أن الفساد استشري نتيجة جملة من العوامل هي تدني مرتبات الموظفين و النظم المالية التي تدار بها الدولة و التي تدفع الناس إلى الخطيئة . مؤكداً أن الفساد في مصر محكموم بمجموعة من الآليات هي : الآلية الأولي هي وجود سياسات ممنهجة لقيادات الجيش و النقابات المالية و العمالية ، الآلية الثانية هي وجود مجموعة من رجال الأعمال تسيطر على العملية الاقتصادية برمتها وهم بدورهم بينهم مصالح مشتركة يسعواً إلى تحقيقها بكافة السبل من خلال قواعد عرفية و خطوط اتصالات دائمة بحجة تسهيل الاستثمار ، و الآلية الثالثة استمرار سياسات الإفقار لطبقات محددة الدخل بما يدفع البعض إلى الفساد ، الآلية الرابعة إفساد أجهزة الرقابة نفسها بتوسط قياداتها في قضايا الفساد .
و اتفق أ.جورج إسحاق المنسق العام السابق لحركة كفاية معهم في الرأي ، مشيراً إلى أن الفساد في مصر أصبح أكبر من أن يحتمل ، فالفساد أصبح في كل أركان الدولة ، فما حدث في مجلس الشورى يعد فساد واضحاً لا يحتاج إلى تبرير ، وكذا ما حدث في واقعة العبارة ” السلام 98″ فساد لا يحتاج منا أي تأكيد ، فهذه الكارثة أودت بحياة الفقراء و العمال الذين ذهبوا للحصول على قوات يومهم فرجعوا في نعوش الموتى ” ضحايا بلغت ما يقرب من 1034 ضحية و الصمت سيد الموقف ” .
و اندهش المنسق العام السابق لحركة كفاية بشدة من ما حدث في واقعة غرق عبارة السلام 98 ، فكيف حدث ذلك و كيف آل المشهد إلى هذه الصورة القاتمة دون اقتصاص للأبرياء ، على الرغم من وجود قوانين و اتفاقيات دولية تنظم حركة ملاحة السفن ، باعتبار أن مالك العبارة هو المسئول الأول عن حالة السفينة من إصلاح العيوب، و القبطان هو المسئول عن رحلة السفينة . و بالتالي كيف حدث ما حدث . و في نهاية حديثه أكد إسحاق طالما وصل الفساد إلى أرواح أبرياء ، فماذا بقي إذن ، لابد من مقاومة هذا الفساد المستشري في الجسد المصري بكل قوة .
و اتفق معهم د. حمدي عبد العظيم الرئيس الأسبق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية على كون الفساد أصبح آفة خطيرة تهدد المجتمع المصري ، و لابد من الوقوف في وجهها ، فالفساد أصبح له تداعيات على الأداء الاقتصادي ، التي تفوق بشدة الفساد في الجوانب الأخرى ، فالفساد الاقتصادي يفوق الفساد الإداري من خلال محاولات الكسب الغير المشروع و تزييف العملة و تجارة السلاح و تهريب الآثار ، فضلا عن محاولة اختراق الجهات الرقابية لمحاولة التغطية على هذه الجرائم من خلال الرشوة.
و أشار د. أحمد أبو بركه عضو مجلس الشعب أن الواقع يهتف بصوت واضح أن مصر تعج بأنماط مختلفة من صور الفساد ، و إذا أردنا القضاء على هذه الظاهرة فلابد في البداية من خلق مناخ مواتي لذلك .
و أعرب أبو بركة أن أبشع صور الفساد تتجلي في تزوير إرادة الشعب و في نهاية حديثه طالب أبو بركة بأنه من أجل القضاء على الإرهاب لابد من خلق نظام حكم رشيد يقوم على استقلال القضاء و الفصل بين السلطات ، و خلق تنمية اقتصادية حقيقة و رفع مرتبات العاملين و الموظفين بالدولة من أجل القضاء على فساد الأفراد . و تكوين مجلس تشريعي حقيقي يفرض رقابة حقيقة على السلطة التنفيذية ، و تشكيل مجلس أعلى للنزاهة يكون مستقلاً عن الحكومة و يتمتع بسلطات معروفة و محددة تمكنه من التعامل مع قضايا الفساد بطلاقة
و من جانبه أكد د. جهاد عودة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان أن ظاهرة الفساد ليست وليدة المرحلة الراهنة و إنما بدأت مع بدايات ثورة يوليو لعام 1952 ، و التي بدأ بناء الدولة على طريقة محمد محمود باشاَ و إسماعيل صدقي باشاً ، و بالتالي تم اختزال الدولة بمنطق السلطة .
و رفض عودة مصطلح ” مكافحة الفساد” لأن هذا يعني أنه موجود ، و إنما لابد من إزالة أسباب الفساد ، مشيراً إلى أنه لا يمكن صياغة قانون لإلغاء الحريق أو مكافحة الحريق ، فأنت معرضا دائما للحريق و إنما العمل على إلغاء أسباب الحريق.

 

 

عدد مرات قراءة الموضوع 

تم نشر هذا الموضوع 28. أغسطس 2008 في 8:21 ص وهذا الحقل تحت ندوات ومؤتمرات. يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال RSS 2.0 تغذية. يمكنك اترك رد, أو متابعة من موقعك.

اترك رد

يجب ان تكون مشترك للتعليق