الديمقراطية مفتاح مكافحة الفساد

19. أكتوبر 2008 بواسطة المحرر

بقلم أ/ حافظ أبو سعده
الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان

نشرت بجريدة الدستور السبت 18/10/2008


لا تقتصر ظاهرة الفساد على شعب واحد أو دولة أو ثقافة واحدة دون الأخرى ، ولكنها تختلف في حجمها و درجتها من مجتمع لآخر، فهناك علاقة بين طبيعة النظام السياسي والفساد، فالنظم الاستبدادية والديكتاتورية ترتفع فيها معدلات الفساد ، وهذا ما تؤكد تقارير منظمة الشفافية الدولية إذ جاءت سوريا في المرتبة الأخيرة لهذا السبب ، والعكس صحيح فالدول التي تتمتع بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان تقل معدلات الفساد فيها وعليه تأتي في مرتبة متقدمة في محاربة الفساد وفقاً للتقارير الدولية ، بمعنى آخر هناك علاقة بين النظم غير الديمقراطية وانتشار الفساد .
ووفقاً لمؤشر مدركات الفساد الذي أصدرته منظمة “الشفافية الدولية” العام الحالي 2008، نجد أن مصر كانت من بين الدول التي أثنت المنظمة على التحسن الحاصل فيها لمكافحة الفساد، كما أثنت المنظمة على المغرب، لبنان، الأردن، الكويت واليمن. ويمكن إرجاع هذا الإثناء بالأساس إلى قيام الحكومة بتشكيل ما يسمى بلجنة الشفافية والنزاهة والتي تختص بمكافحة الفساد ودعم الشفافية والمحاسبة .
وبرغم اختلافنا مع ما أشارت إليها منظمة الشفافية الدولية بشأن الوضع في مصر ، إلا أنه ينبغي البناء عليها ، فعلى الحكومة المصرية استنهاض الكفاءات والمؤسسات التشريعية والقضائية والإدارية والمالية الوطنية في جهد مشترك للمساهمة في الوصول إلى الهدف الأساسي آلا وهو القضاء على الفساد عبر تشخيص ودراسة مظاهره وأنواعه وأسبابه ونتائجه، وغياب المساءلة والشفافية والمحاسبة .
في واقع الأمر أن الحد من الفساد وإيقاف استفحاله في المجتمع يتطلب قيام النخبة السياسية أولاً اتخاذ خطوات جادة فورية نحو الإصلاح الديمقراطي وحشد الجماهير حولها وتلبية احتياجاتهم الأساسية ولاسيما فيما يخص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ( الحق في التعليم ، الحق في السكن ، الحق في الصحة ، الحق في عمل مناسب ، الحق في بيئة صحية) ، وثانيًا : تغيير السياسات القائمة والتي أدى بعضها إلى استفحال الفساد ونجاح القلة وفشل الأغلبية ، ثالثًا : ضرورة بناء نظام ديمقراطي يوفر العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص ، ويقوم على مبدأ فصل السلطات الثلاث ” التنفيذية والتشريعية والقضائية “، وسيادة القانون من خلال خضوع الجميع للقانون والمساواة أمامه وتنفيذ واحترام أحكامه، رابعًا : قيام كل عضو في مجلس الشعب تقديم إقرارا بالذمة المالية الخاصة به وبزوجه وبأولاده القصر مفصلا فيه كل ما يملكون من ثروة, عقارا ومنقولا في داخل مصر وخارجها, وكذلك تفعيل الرقابة الصادرة عن الجهات التشريعية المتمثلة في مجلس الشعب التي تسمح بالمساءلة للمسئولين المعنيين مثل الوزراء، من خلال النقاش العلني لأعمالهم من في جلسات البرلمان، بمعنى آخر أن يقوم النظام السياسي على الوضوح والمحاسبة بشكل علني، حتى يردع ذلك من يفكر بممارسة سلوك الفساد.
وفي ضوء قيام الحكومة المصرية ببناء استراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد ستتراجع معدلاته وستكون البلاد في أحسن حال ، لاسيما وأن الفساد يؤثر سلباً على النظام السياسي ويضعف بنيته الديمقراطية، ويؤدي إلى ضياع حقوق المواطنين خاصة حقهم في الحصول على الخدمات العامة والحريات ومن بينها حرية الوصول إلى المعلومات وحرية الإعلام وكذلك الحقوق مثل حق المساواة وتكافؤ الفرص وحق المشاركة السياسية ، إذ يقلل الفساد من إقبال المواطنين على المشاركة السياسية نتيجة عدم اقتناعهم بنزاهة المسئولين، وعدم الثقة بالمؤسسات العامة وأجهزة الدولة. ويجعل المصالح الشخصية تتحكم بالقرارات التي تتخذها الحكومة حتى وإن كانت هذه القرارات مهمة ومصيرية، بل ويسيء الفساد إلى سمعة الدولة بين الدول الأخرى، مما يؤثر على علاقاتها الخارجية ومشاركتها في القضايا العالمية.
وأخيراً فإن الديمقراطية هي المفتاح لمكافحة الفساد ، والمسئولية هنا مسئولية جماعية تقع على النخب جميعها سواء كان موقعها في السلطة أو المعارضة ، فعلى الأخيرة الخروج من الحيز الشخصي في المطالبة بالتغيير إلى الحيز الموضوعي أي حشد تعبئة الجماهير على أساس العمل على تغيير السياسات والأفكار السائدة والقائمة والتي أدت إلى تجمد الأوضاع وبقائها على حالها لسنوات طويلة، وبهذه الطريقة يمكن بناء خطاب ديمقراطي وطني تشترك فيه جميع القوى الحزبية والسياسية والمجتمعية يهدف بالأساس إلى بناء حكم ديمقراطي رشيد يقوم على إرساء مبادىء الشفافية والنزاهة، ويكافح الفساد.

 

عدد مرات قراءة الموضوع 

تم نشر هذا الموضوع 19. أكتوبر 2008 في 10:13 ص وهذا الحقل تحت مقالات رئيس المنظمة. يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال RSS 2.0 تغذية. يمكنك اترك رد, أو متابعة من موقعك.

اترك رد

يجب ان تكون مشترك للتعليق