النظام الدولي مابعد كرونا

16. أبريل 2020 بواسطة المحرر

النظام الدولي مابعد كرونا

بقلم د.حافظ ابو سعدة

السؤال الكبير الذي يشغل المفكرين والسياسيين يتعلق بالنظام الدولي الحالي فهل سيستمر هذا النظام كما هو ام ان هناك تغيرات جوهرية سوف تطرأ علي النظام الدولي الحالي ،

البعض يري ان الثقل في هذا النظام سوف ينتقل شرقا نحو الصين ، والبعض يري ان النظام الدولي يتحول من نظام احادي القطبية الي نظام متعدد الأقطاب . في الحقيقة ليست هذه المرة الأولي التي يتوقع فيها المحللين تغيرًا جوهريًا للنظام الدولي بعد حدث كبير .فق توقع البعض ولازم نظام دولي جديد عقب انهيار الاتحاد السوفيتي ١٩٨٩ وسقوط حائط برلين ، كما بشر الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب بولادة نظام عالمي جديد بعد تشكيل تحالف دولي لتحرير الكويت ،وصمد النظام الدولي الحالي .
هذا النظام قائم منذ عام ١٩٤٥ مع نهاية الحرب العالمية الثانية والتي سبقها انهيار النظام الدولي ( نظام عصبة الأمم ) بسبب الفشل في تجنب حرب عالمية ثانية ، فقد انهار هذا النظام باجتياح هتلر اوربا وتشكل محورًا دوليًا من كل من ألمانيا وإيطاليا واليابان في مواجهة إنجلترا واوربا الغربية وانضمام الولايات المتحدة الامريكية الي بريطانيا وفرنسا والحلفاء وتحقيق هزيمة ساحقة ضد اليابان وألمانيا النازية ، وولدت في نهاية هذه الحرب قوة دولية جديدة هي الولايات المتحدة الامريكية التي ولدت كدولة عظمي تملك سلاحًا نوويًا حاسمًا استخدم ضد مدينتي ناجازاكي وهورشيما في اليابان بجانب الاتحاد السوفيتي الذي حقق انتصارا حاسما ضد قوات هتلر في معركة ستالينجراد .
وشكل الحلفاء النظام الدولي الجديد بوضع ميثاق الأمم المتحدة عام ١٩٤٥ وإنشاء المنظمة الدولية هيئة الأمم المتحدة ، وتشكيل مجلس الامن كهئة اممية معنية بالأساس بالأمن والسلم الدوليين .
وتبني هذا النظام مبادئ أساسية أهمها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، حل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية ، عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة ، الاتفاق علي التعاون الدولي واحترام حقوق الانسان ، وتشكلت المنظمة من عدة مستويات اولها الجمعية العامة للأمم المتحدة تتساوي فيه الدول في المراكز القانونية و متساوية في التصويت ، المجلس الاقتصادي والاجتماعي يناقش الاتفاقيات والتقارير قبل عرضها علي الجمعية العامة ، ثم مجلس الامن الذي له صلاحيات واسعة في حماية الامن والسلم الدوليين بما في ذلك استخدام القوة ( الفصل السابع من الميثاق ) وأعطيت صلاحيات حق الاعتراض وهو حق لدول خمس هي الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي والصين في الاعتراض علي اَي قرار حتي لو حصل علي أغلبية الدول الأعضاء .
وانشأت لجنة حقوق الانسان التي وضعت الإعلان العالمي لحقوق الانسان عام ١٩٤٨ ليشكل الأساس لنظام حقوق الانسان في الأمم المتحدة فتم وضع اتفاقيتين أساسيتين لحقوق الانسان هم العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وتعد الاتفاقيتين والإعلان الشرعة الأساسية لحقوق الانسان . ثم تطور القانون الدولي ويمكن ان نقول انه نشأت فروع للقانون الدولي مثل القانون الدولي لحقوق الانسان والقانون الدولي للبيئة بالإضافة الي القانون الدولي العام وتم عقد اتفاقيات متعددة الأطراف بشأن حقوق الانسان مثل اتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية مناهضة كافة أشكال التميز العنصري واتفاقية مناهضة التميز ضد المرأة واتفاقية مكافحة التعذيب واتفاقية حقوق الطفل واتفاقية مكلفة الاحتفال القسري وغيرها من الاتفاقيات التعاقدية للدول ،
كذلك تطورت الاليات الدولية لحقوق الانسان وصولا الي مجلس حقوق الانسان والمفوضية السامية لحقوق الانسان .
هذا النظام يحتاج الي التطوير وقد شكل الأمين العام للأمم المتحدة لجنة حكماء من اجل إصلاح الأمم المتحدة والتي قدمت توصيات محددة أهمها توسيع مجلس الامن وزيادة المقاعد للدول دائمة العضوية وإعطاء إفريقيا مقعدين وتعزيز دور المجتمع المدني داخل آليات الأمم المتحدة الا ان توصيات اللجنة لم يتم تنفيذها حتي الان .
نعود للسؤال هل بالفعل هذا النظام قابل للانهيار لكي يأتي نظام جديد . في الحقيقة لا يوجد ما يشير الي انهيار النظام الدولي الحالي او تحول مركز الثقل تجاه الصين او الشرق . نعم الصين تنموا بوتيرة متسارعة اقتصاديا الا ان لم ينعكس هذا الي التأثير والنفوذ السياسي في المجتمع الدولي او المساهمة في حل الأزمات الدولية ، فيمكن ان يزداد دور بعض الأطراف الدولية مثل الصين لكن ليس الي حد استبدال دور الولايات المتحدة الامريكية . وإنما هنا حاجة ملحة لزيادة دور أطراف دولية كفاعلين دوليين أساسيين في النظام الدولي الاتحاد الأوربي الصين روسيا بريطانيا هي اقرب للأقطاب المتعددة التي تسعي لان تكون مؤثرة في النظام العالمي ، ولا يمكن توقع ان تكون أزمة وباء كرونا تؤدي الي او تنتهي الي انهيار للنظام الدولي . هذا مستبعد تماما ولكن من الممكن حدوث تغير في بعض قواعد العمل الدولي او آليات صنع القرار ، لا سيما بعدما بات من الواضح ان الدولة القومية استعادت قوتها في تعزيز الحقوق وحماية المواطنين في حالة الأوبئة والأزمات ، التعاون الدولي لايزال أساس في مواجهة الأزمات والكوارث ، لذلك يظل أيضا مواجهة الأوبئة يتطلب بالأساس التعاون الدولي في تلقي وسائل العلاج والحماية والأمصال والعلاجات من اجل حماية اكثر لأكثر الدول فقرًا والفئات الأكثر تهميشا مثل النساء واللاجئين والمهاجرين والأطفال وكبار السن الفيروس المستجد يفتح السبل للتعاون الدولي اكثر من تعريض النظام الدولي للانهيار .

تم نشر هذا الموضوع 16. أبريل 2020 في 8:24 م وهذا الحقل تحت بيانات صحفية. يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال RSS 2.0 تغذية. يمكنك اترك رد, أو متابعة من موقعك.

اترك رد

يجب ان تكون مشترك للتعليق