الرسوم الدانماركية الحدود الفاصلة بين حرية التعبير و العنصرية

7. مارس 2008 بواسطة المحرر

حافظ ابوسعدةبقلم / حافظ أبو سعده
الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان

تفجرت أزمة الرسوم الكاريكاتيريةالدانماركية المسيئة للرسول(ص) مرة أخرى ، وهذه ليست المرة الأولى، ففي نهاية شهر سبتمبر 2005 نشرت صحيفة «يولاندز بوسطن»، وهي من أوسع الصحف اليومية انتشاراً في الدانمارك 12 رسماً كاريكاتورياً للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وقد أثيرت آنذاك موجة واسعة من الاحتجاج في العالم الإسلامي.

في واقع الأمر أن الاعتراض على الرسوم الكاريكاتيرية الدانماركية ليس لأنها تسيء إلى دين من الأديان،أو أنها تزدري رمز مقدس للدين الإسلامي،وإنما الاعتراض بالأساس على مضمونها ،والذي يتضمن اتهام للمسلمين كافة بالإرهاب ، إذ تصور الرسول الكريم (ص) بأنه”إرهابي”من الإرهابيين الذين يرفعون السيوف والسكاكين أو يتعممون بالقنابل،في تشبيه واضح لبن لادن والزرقاوي،وغيرهم من قيادات التنظيمات المسلحة التي تستخدم العنف والإرهاب.

وهذا التصوير، وعلى هذا النهج ، هو بالتأكيد وصف ضد كل المسلمين على اختلاف مشاربهم، وقومياتهم، وأفكارهم، إذ يصورهم جميعاً بأنهم “إرهابيون” ولعل هذا الوصف سيؤدي إلى المزيد من الكراهية ضد المسلمين في جميع بقاع العالم حتى الأقليات المسلمة في الدول المتقدمة، وتزداد بالتالي ظاهرة الإسلاموفبيا ، بل وستتسع دائرة أعمال العنف والإرهاب .

ومن الأخطاء القاتلة لتعاملنا مع هذه الرسوم، أننا وقفنا عند تعبير أنها تسيء إلى الإسلام أو إنها تزدري الرسوم الكريم (ص)، ولكنها في الحقيقة قد تجاوزت ذلك إلى عنصرية مقيتة ضد المسلمين أجمع، فبتمعن هذه الرسوم نجد أنها تصور الرسول الكريم حاملاً خنجر ، ويرتدي عمامة على هيئة قنبلة !!.
وفي ضوء ذلك ، نتساءل: هل أننا أمام حالة من حالات حرية الرأي والتعبير، أم أننا أمام حالة من الممارسة العنصرية ونشر الكراهية المحرمة دولياً ؟. في الواقع أن الفيصل هنا هو المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تحمي حرية الرأي والتعبير وتجرم الممارسات العنصرية وجرائم الكراهية في ذات الوقت . ويمكن بيان ذلك على هذا النحو:

  • ديباجة ميثاق الأمم المتحدة ونصت على أن الهدف من هذا الميثاق هو «تطبيق التسامح بين الشعوب لتحقيق وحدتها». وأكدتالمادة 3(1) من الميثاق هذا المعنى، إذ بينت أن من الأهداف الرئيسة لإنشاء منظمة الأمم المتحدة «تشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع من غير تمييز ضد العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين». وغنيٌ عن القول أن نبذ دين الإسلام وربطه بالإرهاب في شكل رسوم كاريكاتيرية أمر لا يحمل احتراماً لأتباع هذا الدين.
  • كما نصإعلان مبادئ القانون الدولي الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم 2625(1970) على أنه «ينبغي على الدول أن تتعاون فيما بينها لتعزيز الاحترام الدولي ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع ولإزالة التعصب الديني». ومن الواضح أن التعرض للأنبياء الذين يمثلون رموز الأديان أمر لا يعين على إزالة التعصب الديني، بل غالباً ما يكون سبباً في زيادته!.
  • وتبع هذا القرارإعلانالجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص إلغاء جميع أشكال عنصرية الأديان والمعتقدات بموجب القرار رقم 36/55 (1981)، والذي يقضي في المادة 3 بأن «إهانة واحتقار الأديان يعتبر خرقاً لميثاق الأمم المتحدة»، إذ هو يعتبر «عائقاً أمام تحقيق العلاقات الأخوية السلمية بين الدول الأعضاء»، كما بينت المادة 4 من الإعلان السابق انه «يجب على جميع الدول أن تأخذ الخطوات الكفيلة بمنع وإزالة التعصب المبني على أسس دينية أو عقائدية». وبالتالي فإن المسؤولية القانونية الدولية للدولة تلزمها باتخاذ إجراءات معينة ضد الإهانات التي تلحق بالأديان.
  • وبالإضافة إلى ما سبق ، نجد أن الرسوم الدانماركية تمثل انتهاكاً للاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري، والتي نصت على إلزام الحكومات بأن تحظر تهديد الأشخاص ، أو التهكم عليهم ، أو إهانتهم بسبب الجنس أو الأصل العرقي ، بل تلزم الحكومات أيضاً بمنع الدعاية المحرضة على الكراهية الدينية ، والتي بدورها تثير التمييز ، والعنصرية والعنف.
  • بل تضمن القانون الجنائي الدانماركي مواد عدة ضد العنصرية ، إذنصت المادة 140 منه على أن ” كل شخص يسخر أو يستهزىء علناً بأي من العقائد الدينية أو الشعائر التعبدية الخاصة بأي جماعة دينية متواجدة بصورة قانونية داخل البلد ، يعرض نفسه للسجن مدة لاتزيد على أربعة أشهر” .في حين نصت المادة 266 مكرر على أن ” أي شخص يقوم بصورة علنية أو بهدف النشر على نطاق واسع ، بالتصريح أو بالإدلاء بمعلومات من شأنها أن تكون مصدر تهديد لجماعة من الأفراد ، أو تجعلهم مثار تهكم أو احتقار ، وذلك بسبب الجنس أو اللون ، أو الأصل القومي أو العرقي ، فإنه بذلك يعرض نفسه للغرامة أو السجن مدة غير محددة ، شرط ألا تزيد على عامين”.
  • وتنص المادة 20 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على حظر أي تأييد أو مساندة لأي كراهية قومية أو عرقية أو دينية بما يثير التمييز أو العداء أو العنف .
  • بل وجاءت المواثيق الدولية لتؤكد على أن مكافحة العنصرية يتماشى مع حرية التعبير ففي إحدى توصيات لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري الصادرة في مارس 1993 ، جاء في التوصية رقم 15:” حظر انتشار الأفكار القائمة على مبدأ التفوق العرقي أو الكراهية العرقية يتماشى مع حرية التعبير ، وتقتضي ممارسة حرية التعبير وجود واجبات ومسئوليات بما فيها الالتزام بعدم نشر أفكار عرقية “.
  • بل في ذات الوقت تم تقييد حرية التعبير حول الأديان،إذ نصت المادة 18من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على وجوب «احترام ومراعاة الأديان»،والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي نص في المادة 18(3) على وجوب أن تكون «حرية التعبير حول الأديان مقيدة بضوابط الأخلاق العامة».وجاء تأكيد لهذا المعنى الأخير في المادة 9(2) من الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان، إذ نص على أن «حرية التعبير عن الأديان يجب أن تكون مقيدة بضوابط القانون التي تحقق المصالح العامة لحماية الحياة والأخلاق والحقوق والحريات ولحماية حقوق الآخرين».
  • ومن ناحية أخرى ، نجد أن حرية التعبير غير مطلقة إذ تخضع لقيود معينة ، إذ ينص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية –شأنه في ذلك شأن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان – على أن ممارسة حرية التعبير تحمل في طياتها واجبات ومسئوليات خاصة ، وعلية فإن حرية التعبير هذه تكونت بدورها خاضعة لعدد من القيود القانونية والضرورية من أجل احترام حقوق أو سمعة الآخرين ، ومن أجل حماية الأمن القومي والحفاظ على النظام العام ، ومن أجل المحافظة على الصحة العامة والأخلاق.

وفي ضوء ما سبق، نطرح تساؤلاً مفاده : أين يجب رسم الخط الفاصل بين حماية حرية التعبير، ومنع التحريض على الكراهية الدينية والعرقية؟.

بالإجابة على هذا التساؤل،نجد أنه ينبغي على الدول أن تلتزم بتعزيز عدم التمييز ومنع وقوع الجرائم العنصرية، ولكنها تستطيع الوفاء بهذا الالتزام دون الحد من حرية التعبير، إذ ينبغي عدم وضع أي قيـد على حرية التعبير، إلا إذا توافر القصد الواضح للتحريض على الكراهية العنصرية أو الدينية، لا حيث يكون القصد التعبير عن الرأي مهما يكن مُرَّ المذاق، فحرية التعبير عنصراً أساسياً من عناصر الحق في اختلاف الآراء، فإذا غاب الاختلاف تعرض الحق في حرية التعبير للخطر،وإذا غاب الاختلاف اختنقت الحرية.

ونخلص مما سبق ، بنتيجة مفادها أن الرسوم الدانماركية لا تندرج بأي شكل من الأشكال تحت بند حرية الرأي والتعبير، بل تعد إحدى أشكال الممارسات العنصرية في أفج صورها ضد العرب والمسلمين، مما يجعلنا مطالبين بإعادة فتح الملف الخاص بحوار الحضارات أو تعايش الحضارات وليس صدام الحضارات ، لكون هذه الرسوم جاءت خالية من أي قيمة فنية ، ماعدا ترسيخ الصورة النمطية المتوارثة عن المسلمين ، وهي وصمهم بالإرهاب ، لذا يجب أن نسعى إلى تغيير الصورة النمطية لكل طرف ، على أساس من الاحترام المتبادل،ونبذ كافة صور العنصرية والكراهية ضد العرب والمسلمين .

تم نشر هذا الموضوع 7. مارس 2008 في 4:44 ص وهذا الحقل تحت مقالات رئيس المنظمة. يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال RSS 2.0 تغذية. يمكنك اترك رد, أو متابعة من موقعك.

اترك رد

يجب ان تكون مشترك للتعليق