اليوم العالمي للمساواة في الأجور

6. أكتوبر 2020 بواسطة المحرر

تكسب النساء 77 سنتًا مقابل كل دولار يكسبه الرجال في عمل متساوٍ القيمة. وطبقا لهذا المعدل فانه سيستغرق الأمر السبعين عامًا القادمة لسد فجوة الأجور بين الجنسين على مستوى العالم[1]

بهذه الاحصائيات لفتت الأمم المتحدة نظر العالم إلى الأزمة التي تعاني منها النساء في سوق العمل, ومن هنا تتمثل أهمية اليوم العالمي للمساواة في الأجور والذي يتم الاحتفال به لأول مرة في هذا العام في 18 سبتمبر 2020 .  حيث أن تحقيق المساواة في الأجور هو أحد الجوانب الهامة والأساسية  في مجال حقوق الإنسان.

وغالبا ما يتم قياس المساواة في الأجور بين الجنسين علي ضوء مؤشر يعرف بفجوة الأجور بين الجنسين وتقاس عن طريق متوسط المكاسب للنساء والرجال في شكل نسب مئوية  ويمكن لفجوة الأجور بین الجنسین أن تشير إلى الفرق بین مكاسب النساء والرجال بالســاعة أو الأسبوع أو الشھر أو الســنة[2].

 ومن خلال الاحتفال باليوم العالمي للمساواة في الأجور قد دعت الأمم المتحدة  ومنظمة العمل الدولية  الدول الأعضاء والمجتمع المدني والمنظمات النسائية والمجتمعية والجماعات النسوية، وكذلك منظمات الأعمال والعمال وأصحاب العمل، إلى تعزيز المساواة في الأجر في الأعمال ذات القيمة المتساوية والتمكين الاقتصادي للنساء والفتيات. فبالنظر الي الواقع الذي تعيش فيه النساء نجد ان النساء بصورة عامة تتقاضى أجورًا أقل من الرجال، وتقدر فجوة الأجور بين الجنسين بنسبة 23 % على مستوى العالم[3]. وقد استضاف التحالف الدولي للمساواة في الأجور في هذا اليوم  حدثًا عالميًا افتراضيًا ودعا للعمل لتشجيع جميع الجهات الفاعلة في سوق العمل لاتخاذ الخطوات اللازمة لضمان أن تكون المساواة في الأجور في صميم جهود التعافي في جميع أنحاء العالم.

ويمكن أن ننظر إلى الأزمة التي تعاني منها النساء حول العالم في عدم المساواة في الأجور إلى عدة جوانب تتمثل في استمرار علاقات القوة التاريخية والهيكلية غير المتكافئة بين النساء والرجال, حيث نلاحظ أن الأمر لا يقتصر فقط على تقاضي النساء أجورا أقل من نظيرها من الرجال في الأعمال المتساوية القيمة بل إننا نجد تباين واضح بين النساء وبعضهنـ، فعلى سبيل المثال نلاحظ تباين واضح في الأجور بين النساء الأمهات وغيرهن من غير الأمهات، حيث أن نصيب النساء ذوات الأطفال من فجوة الأجور تبلغ حوالي 31% مقابل 4% من غير الأمهات في إقليم جنوب الصحراء الكبرى، كما تبلغ نسبتهم 35% مقابل 14% في إقليم جنوب آسيا.[4] وهو ما يلقي الضوء على السياسات التي يفرضها أصحاب العمل من جانب والسياسات العالمية  المتبعة من جانب آخر، وترجع بعض الأسباب في عدم المساواة في الأجور إلى الاختلاف في مستويات التدريب المهني بين الإناث والذكور وذلك يرجع الي عقبات في حصول المرأة علي التدريبات التي تحتاجها مثل الوقت, وبعض الثقافات المجتمعية التي تعطي الأولوية للذكور، كما أن أحد الأسباب التي تساهم في عدم المساواة في الأجور في يرجع الي اختلاف المسميات الوظيفية بين الذكور والإناث في نفس الوظيفة فعلي سبيل المثال ( مندوب مبيعات- بائعة) , (فني- عاملة تشغيل) , ( إداري-  سكرتيرة).. الخ.

بالإضافة إلى ما تم ذكره نجد انه لا يتم مراعاة الأنماط الحياتية المغايرة لأنماط الذكور الأصحاء مثل أنماط حياة النساء، وأصحاب الإعاقات وغيرهم من الفئات المهمشة في المجتمع.

وهذا ما قامت العديد من المدارس النسوية بانتقاده، حيث قاموا بانتقاد رؤية المجتمع لمفهوم الوقت في العصر الحديث، باعتبار أن المجتمع الحالي يسيطر عليه ثقافة معينة وسائدة لمفهوم الوقت يفشل في التعرف على الاحتياجات والإيقاعات الزمنية الأخرى المغايرة لأنماط الذكور، ولاسيما تلك المرتبطة بأنماط مختلفة وبمسؤوليات الرعاية الأسرية كحياة الإناث، أو حياة الأشخاص الذين يعانون من صعوبات جسدية أو عقلية معينة.

فعلى سبيل المثال، تواجه النساء قيودًا أكبر في الموازنة بين العمل المأجور والمسؤوليات الأسرية، فالمرأة تحتاج إلى ساعات عمل مرنة ولا سيما الأمهات منهن, كما انها تحتاج لاجازات الوضع  والتي عادة ما تكون محدودة ، بالاضافة ألى أنها تحتاج إلى توفر بعض الخدمات في بيئة العمل من أماكن لرعاية الأطفال وغيرها, مما يجعل أرباب العمل يفضلون الرجال على النساء. وهو ما يساهم في توسيع فجوة عدم المساواة بين الجنسين, كما أنها على المدى البعيد والقريب تساهم في حرمان النساء من حقوقهن الاساسية و يعرضهم لمزيد من عدم المساواة ، مثل الحرمان من  التأمينات الاجتماعية والمعاشات. 

وان كان  اليوم العالمي المساواة في الأجور قد ركز بشكل أساسي على  فجوة الأجور بين الجنسين، إلا أن هناك فجوات في الأجور تعاني منها فئات اخرى مثل أصحاب الإعاقات والفئات الأخرى المهمشة في المجتمع, حيث لا يتم مراعاة أنماط حياتهم واحتياجاتهم التي تفرض عليهم العمل لساعات مرنة وتتطلب وجود مرافق لمساعدتهم علي أداء عملهم بصورة فعالة. حيث حددت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان 2016 فجوات مختلفة في الأجور بين الأشخاص ذوي الإعاقات المختلفة, على سبيل المثال ، فجوة الأجور بين الذين يعانون من صعوبات التعلم تصل إلى 62٪[5].

وبالنظر إلى الواقع المصري نجد انه بالرغم من ان  قانون العمل نص بشكل واضح علي المساواة في الأجر وعدم التمييز في الأجور بسبب اختلاف الجنس أو الاصل او العقيدة او اللغة. إلا أنه  بحسب بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فإن هناك تفاوتا بين “متوسط الأجر النقدى الأسبوعى”، يبلغ 12.9% تقريبا، إذ يبلغ متوسط الأجور للإناث فى مصر 850 جنيه أسبوعيا، بينما يبلغ متوسط الأجور للذكور فى مصر 960 جنيه أسبوعيا[6].

كما أوضح الخبير الاقتصادي عبد الفتاح الجبالي  وجود خلل في منظومة الأجور في مصر ينعكس سلبا على النساء, حيث يوضح أنه على الرغم من استيعاب القطاع الخاص لنحو 70 % من العمالة إلا أن نصيبه من الأجور على المستوى القومى قد وصل إلى 55 % من الإجمالى مما يعكس انخفاض متوسط الأجر لديه مقارنة بقطاعات الاقتصاد القومى الأخري. كما يشير الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء في  النشرة السنوية لاحصاءات التوظف والاجور وساعات العمل، إلى أن المتوسط الاسبوعى للأجور النقدية لدى القطاع العام ( والذى يصل الى 1479 جنيها) أعلى من مثيله فى القطاع الخاص (الذى يصل الى 1019 جنيها) وذلك على الرغم من ارتفاع عدد ساعات العمل فى الثانى إلى 57 ساعة مقابل 49 ساعة لدى القطاع العام. ويلاحظ ان هذه المفارقة تزداد بشكل واضح بين الجنسين إذ بينما يصل المتوسط للإناث الى 1649 جنيها فى القطاع العام، فانه فى القطاع الخاص لايزيد على 906 جنيهات, وذلك مع ملاحظة ان حجم القوة العاملة من الإناث يصل الى 3.943 مليون (بنسبة 14.8% من الإجمالي البالغ 26.689 مليون فرد)[7].

وكما اشرنا في البداية الي أن هناك سياسات لا تراعي انماط حياة النساء ولاسيما الامهات والمتزوجات منهن, فإننا نلاحظ عند النظر الي الواقع المصري أن النساء في مصر يعانين من مثل هذه السياسات, حيث نجد أن بالرغم من نجاح سوق العمل في عام  2019  في استيعاب نحو 102 ألف إلا أن جميع الوظائف كانت كلها من نصيب الذكور حيث تم استيعاب 843 ألفا منهم مقابل نقص حوالي 742  ألفا من الإناث.

وذلك ما يجب أن يدعونا إلى إعادة التفكير في السياسات والأنماط التي تساهم في خروج المرأة من سوق العمل المصري. فعلي سبيل المثال علي راس هذه السياسات والقرارات نجد  القرار الوزارى رقم 155 لسنة 2002، والصادر عن وزارة القوى العاملة، والذى يحظر على السيدات العمل فى 30 مجالا مثل التعدين والزجاج وغيرها، ويستند القرار على حماية النساء من الأضرار الصحية. مما يساهم في الحد من عمل المرأة ويوسع من فجوة عدم المساواة, كما أن الأمر نفسه نجده في سياسات متبعة من أرباب العمل من تفضيل العاملين الرجال على ذويهم من النساء في الأعمال التي تتطلب السفر الي الخارج, بالإضافة الي سياسات تساعد الموظفين الرجال علي الترقي بصورة أسرع علي حساب النساء[8].

مما يجعل المجتمع المصري بحاجة الي  اغتنام فرصة الاحتفال باليوم العالمي للمساوة في الأجور لتحسين حقوق المرأة في المجتمع.

ومن الفئات أخرى تعاني من التهميش في الحقوق الاقتصادية في مصر وتعاني من عدم المساواة في الأجور هي فئة أصحاب الإعاقة ,  حيث انه وفقًا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يوجد في مصر ما يقدر بـ 12 مليون شخص من ذوي الإعاقة. وبالرغم من أطلاق مصر على 2018 لقب “عام أصحاب الإعاقة” ، وفي فبراير 2018 ، أصدار حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع قانون بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة, الا اننا نجد ان الواقع الذي يعيشه أصحاب الإعاقة لا يتماشى مع التقدم الملحوظ في القوانين التي أصدرتها الحكومة. فنجد أنه طبقا لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2019, متوسط الأجر اليومي للأفراد ذوي الصعوبات الوظيفية يبلغ 69.2 جنيه مصري مقابل 76.2 جنيه مصري لغير ذوي الصعوبات كما يبلغ متوسط الأجر اليومي من ذوي الصعوبات الوظيفية من الذكور نحو 70.2 جنيه مقابل 78.6 جنيه لغير ذوي الصعوبات[9].  ونجد أن الفجوة لا تزال موجودة بالرغم من التشريعات القانونية العديدة التي تبنتها الدولة المصرية في الآونة الأخير لضمان حقوق أصحاب الإعاقة وإصدار اللائحة التنفيذية  لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ويمكن ان نرجع ذلك إلى أن الحكومة عادة ما تعامل الاشخاص اصحاب الاعاقات علي أنهم فئة متجانسة ولا تراعي الاختلافات والاحتياجات بين أصحاب الإعاقات المختلفة والذين بالضرورة يحتاجون الي قوانين مختلفة تناسب الاحتياجات المتعددة لهم وعلى هذا النحو لا يمكن ان يتم التعامل ب”نهج واحد يناسب الجميع” وعلي الدولة أن تراعي الحاجات المختلفة فيما بينهم للوصول إلى أكفاء السياسات التي تمنحهم الحقوق التي يحتاجونها[10]. كما ان المساواة في الاجور تتطلب بشكل اساسي مساواة في الكفاءات ومستوي التعليم وبالرغم من ان الحكومة المصرية دعت الي توفير مرافق لتسهيل خدمة أصحاب الإعاقات المختلفة في المؤسسات التعليمية والجامعات وغيرها الا ان العديد من الجامعات و المدارس لاتزال غير مهيئة لاستقبال العديد منهم ولا تناسب احتياجاتهم الاساسية. بالإضافة الي ذلك نجد أن العديد من المؤسسات التعليمية التي تخدم أصحاب الإعاقات في مصر تحسب علي  القطاع الخاص والعديد منها انشاؤها اولياء امور وعائلات ابنائهم من اصحاب الاعاقات وبالرغم من ان هذه المؤسسات يتم تسجيلها كمؤسسات غير هادفة للربح إلا أنه في حقيقة الأمر تتقاضى مصروفات عالية, حيث تقدر مصروفات هذه المؤسسات من 51 الف جنيه الى 85 الف جنيه في السنة الواحدة. مما يعني صعوبة إدراج العديد من الطلاب ممن يعانون من صعوبات بها[11].

بالإضافة إلى النقاط السابقة التي ركزت على فئات بعينها, يشير الخبير الاقتصادي عبد الفتاح الجبالي إلى أن الاقتصاد المصري يعاني من العديد من الاختلالات الأجرية, حيث أن إجمالي قيمة الأجور المدفوعة في الاقتصاد المصري تشكّل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يمثّل خللاً هيكليا في التوزيع الأوّلى للدخل مصلحة أصحاب الأعمال ورؤوس الأموال والأصول (الأرباح والفوائد والريع) ولغير مصلحة العمال، علماً بأن هذه النسبة تصل إلى نحو 60% في البلدان المتقدمة.

ونجد أن على رأس الأزمات التي يعاني منها قطاع الأجور في مصر هي قضية أجور العاملين في القطاع الخاص,  فبالرغم من صدور قوانين منظمة للحد الأدنى للأجور للعاملين في الدولة بقيمة 2000 جنيه فإن عمال القطاع الخاص خارج تطبيق هذا الحد الأمر الذي يشعرهم بعدم المساواة ويخلق حالة من عدم الرضا بين القطاعين بخاصة أن عدد عمال القطاع الخاص يتجاوز 24 مليون عامل، بما يمثل 75% من الاقتصاد القومي للدولة, نجد الأزمة واضحة بالنظر الى احصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الاخيرة, حيث  نجد أن المتوسط الأسبوعي للأجور النقدية لدى القطاع العام (والذي يصل الى 1479 جنيها) أعلى من مثيله في القطاع الخاص (الذي يصل الى 1019 جنيها) وذلك على الرغم من ارتفاع عدد ساعات العمل في الثاني إلى 57 ساعة مقابل 49 ساعة لدى القطاع العام[12]. مما يمثل عدم مساواة كبير بين الجانبيين.

ولذلك يجب علينا اغتنام فرصة الاحتفال باليوم العالمي المساواة في الأجور لاعادة النظر إلى كل الفئات المهمشة في المجتمع والعمل على ضمان حقوق هذه الفئات. كما يجب علينا النظر بصورة اشمل واوسع تتعدي المساواة بين الجنسين لتشمل المساواة بين جميع أفراد المجتمع على حد سواء.


[1] https://www.un.org/ar/observances/equal-pay-day

[2] الدليل التعريفي المساواة في الأجور, منظمة العمل الدولية, 2013, ص 22.

https://www.ilo.org/wcmsp5/groups/public/—arabstates/—ro-beirut/documents/publication/wcms_228608.pdf

[3] https://www.un.org/ar/observances/equal-pay-day

[4] https://interactive.unwomen.org/multimedia/infographic/changingworldofwork/en/index.html#portfolioModal4

[5] Tackling gender, Equality and Human Rights Commission Research report 110  Pay gaps research, Duncan Brown, Catherine Rickard and Andrea Broughton The Institute for Employment Studies disability and ethnicity pay gaps.

Avaliable at: https://www.equalityhumanrights.com/sites/default/files/research-report-110-tackling-gender-disability-ethnicity-pay-gaps.pdf

[6] عبد الفتاح الجبالي, الأجور في مصر بين التساوي والمساواة, المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية.

[7] عبد الفتاح الجبالي, الأجور في مصر بين التساوي والمساواة, المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية.

[8]هل نحتاج لتشريع للمساواة بين “أجور الرجل والمرأة”؟, اليوم السابع

https://rb.gy/jte3ey

[9] http://bitly.ws/9WVR

[10] Tackling gender, Equality and Human Rights Commission Research report 110  Pay gaps research, Duncan Brown, Catherine Rickard and Andrea Broughton The Institute for Employment Studies disability and ethnicity pay gaps. Pg 31.

Avaliable at: https://www.equalityhumanrights.com/sites/default/files/research-report-110-tackling-gender-disability-ethnicity-pay-gaps.pdf

[11] https://enterprise.press/blackboards/egypt-risks-missing-economic-opportunities-inclusive-education/

[12] عبد الفتاح الجبالي, الأجور في مصر بين التساوي والمساواة, المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية.

تم نشر هذا الموضوع 6. أكتوبر 2020 في 12:10 م وهذا الحقل تحت بيانات صحفية. يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال RSS 2.0 تغذية. يمكنك اترك رد, أو متابعة من موقعك.

اترك رد

يجب ان تكون مشترك للتعليق