إلى رئيس الوزراء : تمديد الطوارئ أخطر من الإرهاب

27. مايو 2008 بواسطة المحرر

بقلم أ. حافظ أبو سعده
الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان
نشر بجريدة الدستور بتاريخ 27/5/2008

أعلن د.أحمد نظيف رئيس الوزراء في خطابه للبرلمان عن مد حالة الطوارئ مدة أخرى ، وأعزى التمديد بالأساس إلى عدم الانتهاء من إعداد مشروع قانون مكافحة الإرهاب قبل 31 مايو 2008 ، ورغبة من الحكومة في عدم التعجل في إصدار المشروع حتى لا يشوبه القصور القانوني !! وجاء على لسانه ” لم يتجه نظرنا إلى إنهاء حالة الطوارىء والاكتفاء بالقوانين العقابية والإجرائية القائمة لمواجهة ظاهرة الإرهاب ، لأننا لم نكن على استعداد للتضحية بالاستقرار الذي ننعم به ، والأمان الذي نشعر به ، والنمو الاقتصادي الذي تحقق في ظلهما”!!. والسؤال هنا : هل تحقق جميع ذلك في ظل استمرار حالة الطوارىء في مصر منذ عام 1981 وحتى الآن .
وبقراءة سريعة لخطاب رئيس الوزراء نجد الكثير من علامات التعجب والاستفهام ، إذ يقول ” لم تتجه الحكومة إلى هذا الحل لأن رياح الإرهاب عاتية من حولنا والأعداء يتربصون بنا ، والقوانين العادية لا تكفي لردعهم وتوقي خطرهم …وقد حسمت الحكومة في النهاية أمرها ، واختارت أن تطلب من مجلسكم الموقر مد حالة الطوارىء وهو كره لها”!!!.
في واقع الأمر أني أتعجب كثيراً من كلام سيادة رئيس الوزراء بقوله عن اضطرار الحكومة إلى مد حالة الطوارىء عامين آخرين في ظل عدم التوصل إلى صيغة نهائية لمشروع قانون مكافحة الإرهاب ، مع العلم أننا لدينا قانون لمكافحة الإرهاب رقم 97 لسنة 1992 والذي يتضمن تعريفاً للجريمة الإرهابية، وعقوبات مشددة بالإعدام لكل من أنشأ وأدار تنظيم، والسجن المشدد لمن ينضم إلى تنظيم، بل وتوسع القانون في تعريف الجريمة الإرهابية إذ يتضمن أكثر من 17 فعلاً بما في ذلك الدعوة والمساندة للإرهاب هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية أود القول إلى سيادته أن هذا التمديد في واقع الأمر أخطر على البلاد،وسيهدد الأمن والاستقرار، بل وسينتهك حقوق المواطنين التي يسعى مشروع الإرهاب-الذي كان من المنتظر إصداره- للحفاظ عليها عبر تحقيقه التوازن حريات المواطنين واستقرار المجتمع وأمنه، وذلك على حد ما جاء في خطاب سيادة رئيس الوزراء .
يا سيادة رئيس الوزراء أن حالة الطوارئ -بالمعنى التشريعي-قد تجاوزت حدود قانون الطوارئ، بل أثرت سلباً على روح البنية التشريعية المصرية التي مالت بشدة نحو التشدد والإطاحة بالعديد من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور المصري والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان ، ويمكن بيان ذلك على هذا النحو :
أولا : فوفقاً لقانون الطوارئ تمتلك السلطة التنفيذية سلطات واسعة لوضع القيود على حرية الأفراد وحقوقهم الدستورية منها سلطة وضع القيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن واعتقالهم وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقييد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية. وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق والضمانات التي حرص الدستور المصري على تأكيدها في المادة 41 الخاصة بالحرية الشخصية، والمادة 44 الخاصة بحرمة المساكن ، والمادة 50 الخاصة بحرية الإقامة والتنقل ، والمادة 54 الخاصة بحرية الاجتماع .
كما تُهدر الحقوق والضمانات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومنها المادة 9 الخاصة بالحرية الشخصية .
ثانياً: قيام الحاكم العسكري أو من ينيبه -بموجب المادة 3 من قانون الطوارئ- بمراقبة الرسائل والصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات، وينتهك كافة وسائل التعبير والدعاية والإعلام قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها، وهو ينتهك حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومراسلاتهم وبرقياتهم ومحادثاتهم التليفونية المقررة في المادة 45 من الدستور.
ويُعد أيضاً انتهاكاً لحرية الرأي والتعبير والنشر المقررة في المادة 48 من الدستور ، وحرية البحث العلمي والأدبي المقررة في المادة 49، كما تهدر تلك السلطة أيضاً نص المادتين 17 و19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ثالثاًُ: إتاحة قانون الطوارئ حرية واسعة للسلطة التنفيذية، في عدم التقييد بالأحوال المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية للقبض على المتهمين، إذ يجوز القبض في الحال على المخالفين للأوامر التي تصدر طبقاً لأحكام قانون الطوارئ والجرائم المحددة في هذه الأوامر، وذلك بالمخالفة لأحكام الدستور والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وبموجب قانون الطوارئ تنشأ محاكم استثنائية للنظر في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام الأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية أو من يقوم، وهي محكمتا أمن الدولة الجزئية والعليا، والترخيص بأن يدخل العنصر العسكري في تشكيل ذاك النوع من المحاكم، إذ يجوز لرئيس الجمهورية أن يأمر بتشكيل دائرة أمن الدولة الجزئية من قاض واثنين من ضباط القوات المسلحة، وبتشكيل دائرة أمن الدولة العليا من ثلاثة مستشارين ومن ضابطين من الضباط القادة.
رابعا : وفقاً للمادة 9 من قانون الطوارئ يجوز لرئيس الجمهورية أو لمن يقوم مقامه أن يحيل إلى محاكم أمن الدولة طوارئ الجرائم التي يعاقب عليه القانون العام، وهو ما يعد مخالفة واضحة لنص المادة 40 من الدستور التي تقر مبدأ “المساواة بين المواطنين” (المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة )، وما يتفرع عنه من حق كل مواطن في الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي الذي أكدته المادة 68 من الدستور،( التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل في القضايا، ويحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء )، كما يعد انتهاكاً جسيماً لنص المادة 14 بند 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية السياسية .
ومما يدعونا ثانية للاستغراب تعهد سيادة رئيس الوزراء في خطابه بآلا يستخدم قانون الطوارىء إلا في مواجهة الإرهاب إذ يقول ” واليوم ونحن نطلب مد حالة الطوارىء لمدة عامين أو لحين الانتهاء من إعداد قانون مكافحة الإرهاب ، تجدد الحكومة الوعد بألا يستخدم قانون الطوارىء إلافي مواجهة الإرهاب ، وبالقدر الضروري لمواجهة هذه الظاهرة”.
ولكن هذا القول مردود عليه إذ لم تحترم الحكومة تعهداتها على مدار سنوات فرض حالة الطوارىء واستخدمتها في مواجهة قضايا الإرهاب والمخدرات ، بل وعلى العكس من ذلك إذ استخدمتها في العديد من الحالات والقضايا ، ومن بينها القبض على عمال المحلة في أحداث 6 إبريل الماضي واعتقالهم ، إذ لا يزالوا رهن الاعتقال ، لمجرد أنهم قد طالبوا بحقوقهم العمالية ، وبالتالي لا يمكن اعتبارهم “إرهابيين” ، وكذلك استمرار إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية ومن بين تلك القضايا، قضية خيرت الشاطر وآخرين ، إذ تم إحالة 40 مدنياً من بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين إلى المحكمة العسكرية بناء على القرار الجمهوري رقم 40 لسنه 2007 والصادر من رئيس الجمهورية ، وقيدت القضية برقم 2 لسنه 2007 جنايات عسكرية ، وأصدرت المحكمة العسكرية العليا بتاريخ 15/4/2008 حكمها في القضية بأحكام تتراوح بين 3-10 سنوات، وتم محاكمة الشاطر والآخرين بموجب قانون الطوارىء،وفي جريمة إذا ثبتت فأنها جريمة جنائية ، ويضاف إلى ذلك استمرار وجود الكمائن الثابتة في جميع المحافظات ، والتي تقوم باستيقاف وتفتيش المواطنين وحقائبهم وسياراتهم ، وكل ذلك يجرى في مصر المحروسة بموجب قانون الطوارىء !!.
من الملاحظ أن الحكومة قد سعت منذ اغتيال الرئيس السادات إلى استخدام الإرهاب كذريعة لاستمرار فرض حالة الطوارئ، وجاء التمديد هذه المرة لذات المبررات والأسباب وكانت النتيجة واحدة آلا وهي استمرار البلاد لمدة عامين آخرين في حالة طوارىء ، وهذه المبررات لا صحة لها من الأساس ، فكان الأجدر على الحكومة أن تكتفي بقانون الإرهاب رقم 97 لسنة 1992 والذي يتضمن العديد من المواد الكفيلة بمواجهة الأعمال الإرهابية وقمع القائمين بها ، وتلغي حالة الطوارىء استجابة للنداءات الجماهيرية والسياسية لاسيما في ضوء تراجع خطى الإصلاح السياسي والديمقراطي، والآثار السلبية لحالة الطوارىء على منظومة حقوق الإنسان في مصر، وتلبية لتعهدات مصر الدولية في ضوء انضمامها مؤخراً للمجلس الدولي لحقوق الإنسان .

تم نشر هذا الموضوع 27. مايو 2008 في 10:33 ص وهذا الحقل تحت مقالات رئيس المنظمة. يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال RSS 2.0 تغذية. يمكنك اترك رد, أو متابعة من موقعك.

اترك رد

يجب ان تكون مشترك للتعليق