ماذا بعد جنيف؟

28. فبراير 2010 بواسطة المحرر

حافظ أبو سعدة
ماذا بعد جنيف؟
اليوم السابع الخميس، 25 فبراير 2010 – 19:35

انتهت أعمال المجلس الدولى لحقوق الإنسان الأسبوع الماضى بصدور توصيات عديدة للحكومة المصرية بلغ عددها 165 توصية، وافقت الحكومة على تنفيذ 119 توصية احتلت الغالبية العظمى المرأة والطفل، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فى حين جاءت الموافقة على التوصيات المعنية بالملفات والقضايا الشائكة المتعلقة بقانون الطوارىء، أو التعذيب، أو موائمة التشريعات الوطنية مع المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، واتسمت هذه التوصيات بالعمومية، وبالصياغات الغير المحددة والفضفاضة، ولاسيما فيما يخص الملفات الشائكة مثل التعذيب والطوارئ والإرهاب، وجاءت دون آليات محددة كإطار زمنى واضح أو خطة العمل للتنفيذ. وبناء على ذلك جاءت موافقة الحكومة المصرية على تلك التوصيات.

فعلى سبيل المثال نصت التوصيات المعنية بالتعذيب على دعم مكافحة التعذيب، وادعاءات التعذيب يجب أن يتم التحقيق فيها بصورة فعالة ومستقلة، أما الطوارئ فنصت على وضع نهاية لحاله الطوارئ والتأكد من أن نصوص قانون مكافحة الإرهاب المستقبلى سوف تحترم حقوق الإنسان، ورفع حاله الطوارئ التى سادت البلاد منذ 1981، واستبدال قانون الطوارئ بقانون مكافحة الإرهاب الذى يكفل الحريات المدنية.

فى حين تجاهلت الحكومة المصرية التوصيات التى نصت على الالتزام بالبروتوكول الاختيارى لاتفاقية مناهضة التعذيب، ودعوة المقرر الخاص المسئول عن قضية التعذيب بدون تأجيل وتسهيل زيارته لمصر، وتنقيح المادة 129 و126 من قانون العقوبات الخاصتين بجريمة التعذيب، وذلك من أجل توسيع مجال فرض العقوبات على مقترفيها ومنع الإفلات من العقاب، وتعديل المادة 126 من قانون العقوبات لتتماشى مع اتفاقية مناهضة التعذيب. أما الطوارئ فنصت التوصيات على إنهاء حالة الطوارئ الاستثنائية ورفع قانون الطوارئ، وعدم سن التشريعات التى بصدها تفرض إجراءات قانون الطوارئ فى الدستور، وعدم تجديد قانون الطوارئ فى إبريل 2010، وضرورة أن يحترم تشريع المستقبل التزامات مصر تحت مظلة القانون الدولى لحقوق الإنسان، وليس تحت مظلة القوانين التى تسهل انتهاكات حقوق الإنسان.

وأخيراً فإنه فى ضوء عضوية مصر فى المجلس الدولى لحقوق الإنسان، واقتراب الجلسة الرابعة عشر لآلية المراجعة الدورية الشاملة المقرر عقدها فى شهر يونيه 2010 بجنيف، فإن سجل حقوق الإنسان فى مصر يتطلب العمل بشكل جدى، والتعاطى مع توصيات المجلس الدولى لحقوق الإنسان ككل متكامل غير قابلة التجزئة، وأن تلتزم الحكومة بشكل جدى بالتوصيات التى وافقت عليها أمام المجلس الأممى، مع وضع إطار زمنى، وإستراتيجية محددة الملامح للتعامل مع الملفات الأساسية (الطوارئ، التعذيب، القوانين المعيقة للحقوق والحريات، التفاعل مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان واستقبال المقررين الخاصين بمصر، وتنقيح البنية التشريعية لتتلائم مع الاتفاقيات الدولية.. إلخ)، والتحاور بشأن هذه الملفات مع مؤسسات المجتمع المدنى، وذلك بغية تحسين وضعية حقوق الإنسان فى مصر، وتغيير صورتها فى المحافل الوطنية والإقليمية والدولية، كما ينبغى أن تتوافر لدى الحكومة الإرادة السياسية الواضحة لمكافحة انتهاكات حقوق الإنسان، ليكون هناك ملفًا ناصعًا فى المجال الحقوقى، وهذه مجموعة من المطالب نتقدم بها للحكومة بهدف تحسين وضعية حقوق الإنسان فى مصر، ولعل أهمها :
1-عدم تجديد حالة الطوارئ فى شهر إبريل 2010، نظراً لأثارها الضارة والخطيرة على منظومة حقوق الإنسان فى مصر وعرقلة سبل التطور الديمقراطى السلمى فى المجتمع. وإلغاء القوانين المقيدة للحريات ومن أمثلتها قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977، وقانون الجمعيات رقم 84 لسنة 2002 وقانون النقابات المهنية رقم 100 لسنة 1993 وتعديلاته بالقانون 5 لسنة 1995، وقانون التجمهر رقم 10 لسنة 1914…. إلخ.

2-الإفراج الفورى عن كافة المعتقلين بشكل متكرر الذين تم اعتقالهم بالمخالفة لأحكام القضاء بالإفراج عنهم أو تبرئتهم من التهم المنسوبة إليهم، من خلال محاكمة عادلة أمام قضاء طبيعى احترامًا لأحكام القانون والدستور ولقدسية أحكام القضاء.

3 – ضرورة تصديق الحكومة المصرية على الإعلانين المشار إليهما فى المادتين 21، و22 من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، واللذين يمكن بمقتضاهما للجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة أن ثبت فى الشكاوى المقدمة من دول وأشخاص تتعلق بانتهاك مصر لالتزامها المنصوص عليها فى الاتفاقية. إن مصادقة مصر لهذين الإعلانين سيكون دليلا على أنه ليس لدى السلطات ما تخشاه فى المستقبل فى مجال التزامها بتجريم التعذيب وإساءة المعاملة فى السجون ومراكز الاحتجاز المختلفة.
4-تعديل نص المادة 126 من قانون العقوبات بما يتناسب مع نص المادة الأولى من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التى صادقت عليها مصر عام 1986 والتى تعرف التعذيب بأنه ألم أو عذاب جسدى أو عقلى، ولا يشترط أن يكون مستهدفا انتزاع اعترافات فقط مثلما ينص القانون المصرى.
5-إلغاء إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، كما ينبغى تعديل قانون الأحكام العسكرية رقم 25 لسنة 1966 لتقتصر المحاكم العسكرية على محاكمة العسكريين المتهمين بارتكاب جرائم عسكرية فقط، والجرائم الواقعة داخل الوحدات والثكنات العسكرية.
6-إلغاء محاكم أمن الدولة العليا “طوارئ” لما تمثله تلك المحاكم من انتهاك صارخ لحق الإنسان فى الحصول على محاكمة عادلة ومنصفة، فتلك المحاكم تتشكل بأمر رئيس الجمهورية وفقا لقانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 وتعديلاته باعتبارها محاكم استثنائية، من حيث إنه لا يجوز الطعن على أحكامها بأى طريق إلا أن يكون لرئيس الجمهورية الحق فى إلغاء الأحكام الصادرة منها، وإعادة محاكمة المتهمين وحقه أيضا فى إلغاء العقوبة وعدم اعتبار أحكامها نهائية إلا بعد التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية.
7-إلغاء كافة العقوبات السالبة للحريات فى قضايا النشر، حماية لحرية الصحافة والصحفيين، وإعمالاً للدستور والمواثيق الدولية التى كفلت الحق فى حرية الرأى والتعبير، مع الاكتفاء بعقوبات الغرامة مع وضع حد أقصى لتلك الغرامات، لا سيما أن للمتضرر من النشر حق الرد بذات الجريدة والادعاء مدنياً لطلب التعويض المناسب أمام المحكمة المدنية، إذا ثبت مخالفة الصحفى لميثاق الشرف الصحفى. والعمل على تعزيز حرية الدين والمعتقد وتفعيل المادة الأولى من الدستور بسن قانون للمواطنة.
8-إيلاء اهتمام أكبر بملف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبر الإسراع فى خطى الإصلاح الاقتصادى من خلال وقف الارتفاع المتوالى للأسعار ولاسيما للسلع الغذائية والتموينية، ووقف التدهور المتواصل فى سعر صرف الجنيه المصرى والذى أدى وسيؤدى إلى ارتفاع كبير فى المستوى العام للأسعار، أى إلى التضخم وتآكل الدخول الحقيقية للمواطنين ولاسيما من ذوى الدخول المحدودة والمتوسطة. ورفع الحد الأدنى للأجور والمرتبات وربطها بالأسعار، والضغط من أجل خطة جادة وحقيقية للقضاء على الفقر أو تخفيض حدته، وللحد من الفوارق بين الطبقات فى توزيع الدخل والثروات. وإدخال تعديلات على قانون العمل الموحد رقم 12 لسنة 2003، بما يحقق التوازن بين مصالح العمال وأصحاب الأعمال مع مراعاة مستويات الدخل ومعيشة المواطنين، وإطلاق حرية تشكيل المنظمات العمالية النقابية والروابط والمنظمات الأهلية التى تنظم وتدافع وترعى مصالح الفئة العاملة. ودعوة الحكومة المصرية للانضمام والتصديق على الاتفاقيات الخاصة بحماية العاملين والعاملات، وكذلك ضرورة تفعيل دور وزارة القوى العاملة فيما يتعلق بالتحقيق فى شكاوى العاملين المنتهكة حقوقهم من قبل أصحاب العمل، وإيجاد وسيلة فعالة لتنفيذ الأحكام الصادرة لصالح العمال، والعمل على تثبيت العمالة المؤقتة فى القطاعين الرسمى وغير الرسمى. ومحاربة البطالة، وخلق فرص عمل جديدة للخريجين فى القطاعين العام والخاص، وحماية أموال التأمينات الاجتماعية، وامتدادها لتشمل كافة العاملين فى القطاعات المختلفة. ووضع حلول سريعة لوقف التدهور المستمر فى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، والتحقيق فى حالات الفساد المالى والإدارى التى تعترى قطاع الصحة وإحالة المتسببين عنها للتحقيق ووقفهم عن العمل، وإصدار القرارات أو القوانين التى من شأنها أن تلزم المسئولين بتطبيق القرارات الخاصة بالعلاج على نفقة الدولة أو إجراء العمليات الجراحية اللازمة أو فى حالات العلاج للسفر للخارج، وتفعيل نظام التأمين الصحى ليشمل جميع المواطنين مع مراعاة محدودى الدخل وجميع المواطنين المؤمن عليهم، وتوفير ما يتطلبه علاجهم من رعاية طبية وعلاجية، وكذلك توفير الخدمات الطبية المتكاملة فى المراكز والتجمعات الطبية، وحسن استقبال المرضى ولاسيما الفقراء ومحدودى الدخل. وإعادة بلورة مفهوم مجانية التعليم وخاصة فى التعليم الأساسى، والقضاء على الدروس الخصوصية التى أصبحت جزءاً من ميزانية كل بيت تقريباً، وقيام الحكومة بمراجعة سياساتها الإسكانية عبر تمكين محدودى الدخل والفقراء من التمتع بالحق فى سكن ملائم تتوافر فيه الخصوصية والأمان ومعايير المسكن الصحى، وتقديم تعويضات مادية وعينية لضحايا الإخلاء القسرى وهدم المنازل، وإيجاد بدائل مناسبة للأهالى القاطنين بتلك المنازل، ووضع خطة شاملة لإزالة المناطق العشوائية التى لا يمكن تطويرها، وإمداد المدن الجديدة بالمرافق والخدمات الأساسية، والاتجاه إلى إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة تفى بحاجات الشباب، على أن يتوافر فى هذه الوحدات خدمات ملائمة من نقل ومواصلات وخدمات أساسية للمواطن، وأن يكون ثمنها يتناسب بشكل كبير مع محدودى الدخل والطبقات الدنيا. ومحاربة الفساد مما يقتضى رفع الحماية المتوافرة له قانونا، بإلغاء القيود المفروضة على الأجهزة الرقابية والتى تشل أيديها عن ملاحقة الفساد، وإصدار قانون لمحاكمة الوزراء أثناء وجودهم فى الوزارة تنفيذا للمادة 159 من الدستور، والفصل بين الحزب الحاكم وأجهزة الدولة، ورفع القيود المفروضة على الصحافة والتى تحد من تصديها للفساد، واعتماد مبدأ الشفافية فى معالجة هذه القضايا.

ونهاية فإن ملف حقوق الإنسان فى مصر مازال سيطرح للنقاش فى شهر يونيه 2010 أمام المجلس الدولى لحقوق الإنسان، وهنا يصبح التساؤل: هل ستنجز الحكومة تقدما ملموسا فى هذا الإطار، أم ستظل وضعية حقوق الإنسان بالبلاد كما هى؟، هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة.

• رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

 

للاطلاع علي المقالة بموقع اليوم السابع من خلال الرابط التالي http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=194221

تم نشر هذا الموضوع 28. فبراير 2010 في 10:35 ص وهذا الحقل تحت مقالات رئيس المنظمة. يمكنك متابعة الردود على هذا الموضوع من خلال RSS 2.0 تغذية. يمكنك اترك رد, أو متابعة من موقعك.

اترك رد

يجب ان تكون مشترك للتعليق